بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مقدمة السورة
نعود الآن إلى القرآن المدني - بعد سورتي الأنعام والأعراف المكيتين - وقد سبقت منه في هذه الظلال - التي نسير فيها وفق ترتيب المصحف لا وفق ترتيب النزول - سور : البقرة ، وآل عمران ، والنساء والمائدة ..
ذلك أن الترتيب الزمني للنزول لا يمكن القطع فيه الآن بشي ء - اللهم إلا من ناحية أن هذا قرآن مكي وهذا قرآن مدني على وجه الإجمال ، على ما في هذا من خلافات قليلة - فأما الترتيب الزمني المقطوع به من ناحية زمن نزول كل آية أو كل مجموعة من الآيات أو كل سورة ، فيكاد يكون متعذرا ولا يكاد يجد الإنسان فيه اليوم شيئا مستيقنا - إلا في آيات معدودات تتوافر بشأنها الروايات أو تقطع بشأنها بعض الروايات ..
وعلى كل ما في محاولة تتبع آيات القرآن وسوره وفق الترتيب الزمني للنزول من قيمة ، ومن مساعدة على تصور منهج الحركة الإسلامية ومراحلها وخطواتها ، فإن قلة اليقين في هذا الترتيب تجعل الأمر شاقا كما أنها تجعل النتائج التي يتوصل إليها تقريبية ظنية ، وليست نهائية يقينية .. وقد تترتب على هذه النتائج الظنية التقريبية نتائج أخرى خطيرة .. لذلك آثرت في هذه الظلال أن أعرض القرآن بترتيب سوره في المصحف العثماني مع محاولة الإلمام بالملابسات التاريخية لكل سورة - على وجه الإجمال والترجيح - والاستئناس بهذا في إيضاح الجو والملابسات المحيطة بالنص - على وجه الإجمال والترجيح أيضا - على النحو الذي سبق في التعريف بالسور الماضية في هذه الطبعة الجديدة من الظلال .. وعلى هذا النحو نمضي - بعون اللّه - في هذه السورة ..
نزلت سورة الأنفال التي نعرض لها هنا بعد سورة البقرة .. نزلت في غزوة بدر الكبرى في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة بعد تسعة عشر شهرا من الهجرة على الأرجح .. ولكن القول بأن هذه السورة نزلت بعد سورة البقرة لا يمثل حقيقة نهائية. فسورة البقرة لم تنزل دفعة واحدة بل إن منها ما نزل في أوائل العهد بالمدينة ، ومنها ما نزل في أواخر هذا العهد. وبين هذه الأوائل وهذه الأواخر نحو تسع سنوات! ومن المؤكد أن سورة الأنفال نزلت بين هذين الموعدين وأن سورة البقرة قبلها وبعدها ظلت مفتوحة تنزل الآيات ذوات العدد منها بين هذين الموعدين وتضم إليها وفق الأمر النبوي التوقيفي. ولكن المعول عليه في قولهم : إن هذه السورة نزلت بعد هذه السورة ، هو نزول أوائل السور. كما ذكرنا ذلك في التعريف بسورة البقرة .
وفي بعض الروايات أن الآيات من 30 إلى غاية 36 من سورة الأنفال مكية .. وهي هذه الآيات :
«وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ. وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ. وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا : قَدْ سَمِعْنا. لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وَإِذْ قالُوا : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ، إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ، فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ» ..
ولعل الذي دعا أصحاب هذه الروايات إلى القول بمكية هذه الآيات أنها تتحدث عن أمور كانت في مكة قبل الهجرة .. ولكن هذا ليس بسبب .. فإن هناك كثيرا من الآيات المدنية تتحدث عن أمور كانت في مكة قبل الهجرة. وفي هذه السورة نفسها آية : 26 قبل هذه الآيات تتحدث عن مثل هذا الشأن : « وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ، فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» ..
كما أن الآية : 36 وهي الأخيرة من تلك الآيات تتحدث عن أمر كان بعد بدر ، خاص بإنفاق المشركين أموالهم للتجهيز لغزوة أحد :
«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ، ثُمَّ يُغْلَبُونَ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ» ..
والروايات التي تذكر أن هذه الآيات مكية ذكرت في سبب النزول مناسبة هي محل اعتراض. فقد جاء فيها : أن أبا طالب قال لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ما يأتمر به قومك؟ قال : يريدون أن يسحروني ويقتلوني ويخرجوني! فقال : من أخبرك بهذا؟ قال : ربي. قال : نعم الرب ربك. فاستوص به خيرا! فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : أنا استوصي به! بل هو يستوصي بي خيرا! فنزلت : «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ» .. الآية ..
وقد ذكر ابن كثير هذه الرواية واعترض عليها بقوله : «وذكر أبي طالب في هذا غريب جدا ، بل منكر. لأن هذه الآية مدنية. ثم إن هذه القصة ، واجتماع قريش على هذا الائتمار ، والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل ، إنما كانت ليلة الهجرة سواء. وذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين. لما تمكنوا منه واجترءوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب ، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه» ..
وقد ذكر ابن إسحاق. عن عبد اللّه ابن أبي نجيح. عن مجاهد. عن ابن عباس - وعنه كذلك من طريق آخر - حديثا طويلا عن تبييت قريش ومكرهم هذا ، جاء في نهايته قوله : «.. وأذن اللّه له عند ذلك بالخروج ، وأنزل عليه - بعد قدومه المدينة - «الأنفال» يذكره نعمه عليه ، وبلاءه عنده : «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ. وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» ..
وهذه الرواية عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - هي التي تتفق مع السياق القرآني قبل هذه الآيات وبعدها.
من تذكير اللّه سبحانه لنبيه - صلى اللّه عليه وسلم - وللمؤمنين بما أسلف إليهم من فضله في معرض تحريضهم على الجهاد في سبيل اللّه والاستجابة لما يدعوهم إليه منه والثبات يوم الزحف .. إلى آخر ما تعالجه السورة من هذا الأمر كما سنبين .. والقول بأن هذه الآيات مدنية كالسورة كلها هو الأولى ..
وبعد ، فإنه من أجل مثل هذه الملابسات في الروايات الواردة عن أسباب النزول ، آثرنا المنهج الذي جرينا عليه في عرض القرآن الكريم كما هو ترتيب السور في مصحف عثمان - رضي اللّه عنه - لا وفق ترتيب النزول الذي لا سبيل اليوم فيه إلى يقين .. مع محاولة الاستئناس بأسباب النزول وملابساته قدر ما يستطاع.
واللّه المستعان ..
هذه السورة نزلت في غزوة بدر الكبرى .. وغزوة بدر - بملابساتها وبما ترتب عليها في تاريخ الحركة الإسلامية وفي التاريخ البشري جملة - تقوم معلما ضخما في طريق تلك الحركة وفي طريق هذا التاريخ.
وقد سمى اللّه - سبحانه - يومها «يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» .. كما أنه جعلها مفرق الطريق بين الناس في الآخرة كذلك لا في هذه الأرض وحدها ولا في التاريخ البشري على هذه الأرض في الحياة الدنيا وحدها.
فقال سبحانه : «هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ : فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ ، يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ، يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ. وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ. كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها - مِنْ غَمٍّ - أُعِيدُوا فِيها ، وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ .. إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ. وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ ..» .. (الحج : 19 - 24) وقد ورد أن هذه الآيات نزلت في الفريقين اللذين التقيا يوم بدر .. يوم الفرقان .. لا في الدنيا وحدها ، ولا في التاريخ البشري على الأرض وحدها ولكن كذلك في الآخرة وفي الأبد الطويل .. وتكفي هذه الشهادة من الجليل - سبحانه - لتصوير ذلك اليوم وتقديره ..
وسنعرف شيئا من قيمة هذا اليوم ، حين نستعرض الوقعة وملابساتها ونتائجها ..
ومع كل عظمة هذه الغزوة ، فإن قيمتها لا تتضح أبعادها الحقيقية إلا حين نعرف طبيعتها وحين نراها حلقة من حلقات «الجهاد في الإسلام» ، وحين ندرك بواعث هذا الجهاد وأهدافه. كذلك نحن لا ندرك طبيعة «الجهاد في الإسلام» وبواعثه وأهدافه ، قبل أن نعرف طبيعة هذا الدين ذاته ..
لقد لخص الإمام ابن القيم سياق الجهاد في الإسلام في «زاد المعاد» ، في الفصل الذي عقده باسم : «فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي اللّه عز وجل : أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى : أن يقرأ باسم ربه الذي خلق. وذلك أول نبوته. فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ. ثم أنزل عليه : «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ» فنبأه بقوله : «اقْرَأْ» وأرسله ب «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ». ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين. ثم أنذر قومه. ثم أنذر من حولهم من العرب. ثم أنذر العرب قاطبة. ثم أنذر العالمين.
فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ويؤمر بالكف والصبر والصفح. ثم أذن له في الهجرة ، وأذن له في القتال. ثم أمره أن يقاتل من قاتله ، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله. ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله للّه .. ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام : أهل صلح وهدنة.
وأهل حرب. وأهل ذمة .. فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم ، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد. وأمر أن يقاتل من نقض عهده ..
ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها : فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام. وأمره فيها يجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم. فجاهد الكفار بالسيف والسنان ، و المنافقين بالحجة واللسان. وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم .. وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام : قسما أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ، ولم يستقيموا له ، فحاربهم وظهر عليهم. وقسما لهم عهد موقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه ، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم. وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه أو كان لهم عهد مطلق ، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر فإذا انسلخت قاتلهم ..
فقتل الناقض لعهده ، وأجل من لا عهد له ، عهد مطلق ، أربعة أشهر. وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم. وضرب على أهل الذمة الجزية .. فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام : محاربين له ، وأهل عهد ، وأهل ذمة .. ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين : محاربين وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه. فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام : مسلم مؤمن به. ومسالم له آمن. وخائف محارب .. وأما سيرته في المنافقين فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائر هم إلى اللّه وأن يجاهدهم بالعلم والحجة وأمر أن يعرض عنهم ، ويغلظ عليهم ، وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم ، ونهي أن يصلي عليهم ، وأن يقوم على قبورهم ، وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر اللّه لهم .. فهذه سيرته في أعدائه من الكفار والمنافقين» ..
ومن هذا التلخيص الجيد لمراحل الجهاد في الإسلام تتجلى سمات أصيلة وعميقة في المنهج الحركي لهذا الدين ، جديرة بالوقوف أمامها طويلا. ولكننا في هذه الظلال لا نملك إلا أن نشير إليها إشارات مجملة : السمة الأولى : هي الواقعية الجدية في منهج هذا الدين .. فهو حركة تواجه واقعا بشريا .. وتواجهه بوسائل مكافئة لوجوده الواقعي .. إنها تواجه جاهلية اعتقادية تصورية تقوم عليها أنظمة واقعية عملية تسندها سلطات ذات قوة مادية .. ومن ثم تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه .. تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها تلك التي تحول بين جمهرة الناس وبين التصحيح بالبيان للمعتقدات والتصورات وتخضعهم بالقهر والتضليل وتعبدهم لغير ربهم الجليل .. إنها حركة لا تكتفي بالبيان في وجه السلطان المادي. كما أنها لا تستخدم القهر المادي لضمائر الأفراد .. وهذه كتلك سواء في منهج هذا الدين وهو يتحرك لإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية للّه وحده كما سيجيء ..
والسمة الثانية في منهج هذا الدين .. هي الواقعية الحركية. فهو حركة ذات مراحل. كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية. وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها .. فهو لا يقابل الواقع بنظريات مجردة. كما أنه لا يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجمدة .. والذين يسوقون النصوص القرآنية للاستشهاد بها على منهج هذا الدين في الجهاد ، ولا يراعون هذه السمة فيه ، ولا يدركون طبيعة المراحل التي مر بها هذا المنهج ، وعلاقة النصوص المختلفة بكل مرحلة منها .. الذين يصنعون هذا يخلطون خلطا شديدا ويلبسون منهج هذا الدين لبسا مضللا ، ويحملون النصوص ما لا تحتمله من المبادئ والقواعد النهائية.
ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصا نهائيا يمثل القواعد النهائية في هذا الدين. ويقولون - وهم مهزومون روحيا وعقليا تحت ضغط الواقع اليائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان - : إن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع! ويحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلا بتخلية عن منهجه وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعا ، وتعبيد الناس للّه وحده ، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته. ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة .. بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة ، أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها ..
والسمة الثالثة : هي أن هذه الحركة الدائبة ، والوسائل المتجددة ، لا تخرج هذا الدين عن قواعده المحددة ، ولا عن أهدافه المرسومة. فهو منذ اليوم الأول - سواء وهو يخاطب العشيرة الأقربين ، أو يخاطب قريشا ، أو يخاطب العرب أجمعين ، أو يخاطب العالمين ، إنما يخاطبهم بقاعدة واحدة ويطلب منهم الانتهاء إلى هدف واحد .. هو إخلاص العبودية للّه ، والخروج من العبودية للعباد .. لا مساومة في هذه القاعدة ولا لين.
ثم يمضي إلى تحقيق هذا الهدف الواحد ، في خطة مرسومة ذات مراحل محددة لكل مرحلة وسائلها المتجددة.
على نحو ما أسلفنا في الفقرة السابقة.
والسمة الرابعة : هي ذلك الضبط التشريعي للعلاقات بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات الأخرى - على النحو الملحوظ في ذلك التلخيص الجيد الذي نقلناه عن «زاد المعاد». وقيام ذلك الضبط على أساس أن الإسلام للّه هو الأصل العالمي الذي على البشرية كلها أن تفيء إليه أو أن تسالمه بجملتها فلا تقف لدعوته بأي حائل من نظام سياسي ، أو قوة مادية. وأن تخلي بينه وبين كل فرد ، يختاره أو لا يختاره بمطلق إرادته. ولكن لا يقاومه ولا يحاربه! فإن فعل ذلك أحد كان على الإسلام أن يقاتله حتى يقتله أو حتى يعلن استسلامه! والمهزومون روحيا وعقليا ممن يكتبون عن «الجهاد في الإسلام» ليدفعوا عن الإسلام هذا «الاتهام!» ..
يخلطون بين منهج هذا الدين في النص على استنكار الإكراه على العقيدة ، وبين منهجه في تحطيم القوى السياسية المادية التي تحول بين الناس وبينه والتي تعبد الناس للناس وتمنعهم من العبودية للّه .. وهما أمر ان لا علاقة بينهما ولا مجال للالتباس فيهما .. ومن أجل هذا التخليط - وقبل ذلك من أجل تلك الهزيمة! - يحاولون أن يحصروا الجهاد في الإسلام فيما يسمونه اليوم : «الحرب الدفاعية» .. والجهاد في الإسلام أمر آخر لا علاقة له بحروب الناس اليوم ، ولا بواعثها ، ولا تكييفها كذلك .. إن بواعث الجهاد في الإسلام ينبغي تلمسها في طبيعة «الإسلام» ذاته ، ودوره في هذه الأرض ، وأهدافه العليا التي قررها اللّه وذكر اللّه أنه أرسل من أجلها هذا الرسول بهذه الرسالة ، وجعله خاتم النبيين وجعلها خاتمة الرسالات ..
إن هذا الدين إعلان عام لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من العبودية للعباد - ومن العبودية لهواه أيضا وهي من العبودية للعباد - وذلك بإعلان ألوهية اللّه وحده - سبحانه - وربوبيته للعالمين .. إن إعلان ربوبية اللّه وحده للعالمين معناها : الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور .. أو بتعبير آخر مرادف : الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور .. ذلك أن الحكم الذي مرد الأمر فيه إلى البشر ، ومصدر السلطات فيه هم البشر ، هو تأليه للبشر ، يجعل بعضهم لبعض أربابا من دون اللّه .. إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان اللّه المغتصب ورده إلى اللّه وطرد المغتصبين له الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم مقام العبيد .. إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة اللّه في الأرض ..
أو بالتعبير القرآني الكريم :
«وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ» ..
«إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ .. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ..» ..
«قُلْ : يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ : أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا : اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» ..
ومملكة اللّه في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم - هم رجال الدين كما كان الأمر في سلطان الكنيسة ، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة ، كما كان الحال في ما يعرف باسم «الثيوقراطية» أو الحكم الإلهي المقدس!!! - ولكنها تقوم بأن تكون شريعة اللّه هي الحاكمة وأن يكون مرد الأمر إلى اللّه وفق ما قرره من شريعة مبينة.
وقيام مملكة اللّه في الأرض ، وإزالة مملكة البشر. وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى اللّه وحده. وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية .. كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان.
لأن المتسلطين على رقاب العباد ، المغتصبين لسلطان اللّه في الأرض ، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان. وإلا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين اللّه في الأرض! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل - صلوات اللّه وسلامه عليهم - وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال! إن هذا الإعلان العام لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من كل سلطان غير سلطان اللّه ، بإعلان ألوهية اللّه وحده وربوبيته للعالمين ، لم يكن إعلانا نظريا فلسفيا سلبيا .. إنما كان إعلانا حركيا واقعيا إيجابيا .. إعلانا يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة اللّه ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية للّه وحده بلا شريك .. ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل «الحركة» إلى جانب شكل «البيان» .. ذلك ليواجه «الواقع» البشري بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه.
والواقع الإنساني ، أمس واليوم وغدا ، يواجه هذا الدين - بوصفه إعلانا عاما لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من كل سلطان غير سلطان اللّه - بعقبات اعتقادية تصورية. وعقبات مادية واقعية .. عقبات سياسية واجتماعية واقتصادية وعنصرية وطبقية ، إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصورات الباطلة .. وتختلط هذه بتلك وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد ..
وإذا كان «البيان» يواجه العقائد والتصورات ، فإن «الحركة» تواجه العقبات المادية الأخرى - وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية التصورية ، والعنصرية والطبقية ، والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة .. وهما معا - البيان والحركة - يواجهان «الواقع البشري» بجملته ، بوسائل مكافئة لكل مكوناته .. وهما معا لا بد منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض .. «الإنسان» كله في «الأرض» كلها .. وهذه نقطة هامة لا بد من تقريرها مرة أخرى! إن هذا الدين ليس إعلانا لتحرير الإنسان العربي! وليس رسالة خاصة بالعرب! .. إن موضوعه هو «الإنسان» .. نوع «الإنسان» .. ومجاله هو «الأرض» .. كل الأرض. إن اللّه - سبحانه - ليس ربا للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون العقيدة الإسلامية وحدهم .. إن اللّه هو «رب العالمين» .. وهذا الدين يريد أن يرد «العالمين» إلى ربهم وأن ينتزعهم من العبودية لغيره. والعبودية الكبرى - في نظر الإسلام - هي خضوع البشر لأحكام يشرعها لهم ناس من البشر .. وهذه هي «العبادة» التي يقرر أنها لا تكون إلا للّه. وأن من يتوجه بها لغير اللّه يخرج من دين اللّه مهما ادعى أنه في هذا الدين. ولقد نص رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على أن «الاتباع» في الشريعة والحكم هو «العبادة» التي صار بها اليهود والنصارى «مشركين» مخالفين لما أمروا به من «عبادة» اللّه وحده ..
أخرج الترمذي - بإسناده - عن عدى بن حاتم - رضي اللّه عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فر إلى الشام. وكان قد تنصر في الجاهلية. فأسرت أخته وجماعة من قومه. ثم منّ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على أخته وأعطاها. فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام ، وفي القدوم على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فتحدث الناس بقدومه. فدخل على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وفي عنقه (أي عدي) صليب من فضة وهو (أي النبي صلى اللّه عليه وسلم) يقرأ هذه الآية : «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» .. قال : فقلت : إنهم لم يعبدوهم. فقال : «بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال ، وأحلوا لهم الحرام. فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم» ...
وتفسير رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لقول اللّه سبحانه ، نص قاطع على أن الاتباع في الشريعة والحكم هو العبادة التي تخرج من الدين ، وأنها هي اتخاذ بعض الناس أربابا لبعض .. الأمر الذي جاء هذا الدين ليلغيه ، ويعلن تحرير «الإنسان» ، في «الأرض» من العبودية لغير اللّه ..
ومن ثم لم يكن بد للإسلام أن ينطلق في «الأرض» لإزالة «الواقع» المخالف لذلك الإعلان العام .. بالبيان وبالحركة مجتمعين .. وأن يوجه الضربات للقوى السياسية التي تعبد الناس لغير اللّه - أي تحكمهم بغير شريعة اللّه وسلطانه - والتي تحول بينهم وبين الاستماع إلى «البيان» واعتناق «العقيدة» بحرية لا يتعرض لها السلطان.
ثم لكي يقيم نظاما اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا يسمح لحركة التحرر بالانطلاق الفعلي - بعد إزالة القوة المسيطرة - سواء كانت سياسية بحتة ، أو متلبسة بالعنصرية أو الطبقية داخل العنصر الواحد! إنه لم يكن من قصد الإسلام قط أن يكره الناس على اعتناق عقيدته .. ولكن الإسلام ليس مجرد «عقيدة» ..
إن الإسلام كما قلنا إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد. فهو يهدف ابتداء إلى إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر وعبودية الإنسان للإنسان .. ثم يطلق الأفراد بعد ذلك أحرارا - بالفعل - في اختيار العقيدة التي يريدونها بمحض اختيارهم - بعد رفع الضغط السياسي عنهم وبعد البيان المنير لأرواحهم وعقولهم - ولكن هذه الحرية ليس معناها أن يجعلوا إلههم هواهم أو أن يختاروا بأنفسهم أن يكونوا عبيدا للعباد! وأن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون اللّه! .. إن النظام الذي يحكم البشر في الأرض يجب أن تكون قاعدته العبودية للّه وحده وذلك بتلقي الشرائع منه وحده. ثم ليعتنق كل فرد - في ظل هذا النظام العام - ما يعتنقه من عقيدة! وبهذا يكون «الدين» كله للّه. أي تكون الدينونة والخضوع والاتباع والعبودية كلها للّه .. إن مدلول «الدين» أشمل من مدلول «العقيدة» .. إن الدين هو المنهج والنظام الذي يحكم الحياة وهو في الإسلام يعتمد على العقيدة. ولكنه في عمومه أشمل من العقيدة .. وفي الإسلام يمكن أن تخضع جماعات متنوعة لمنهجه العام الذي يقوم على أساس العبودية للّه وحده ولو لم يعتنق بعض هذه الجماعات عقيدة الإسلام ..
والذي يدرك طبيعة هذا الدين - على النحو المتقدم - يدرك معها حتمية الانطلاق الحركي للإسلام في صورة الجهاد بالسيف - إلى جانب الجهاد بالبيان - ويدرك أن ذلك لم يكن حركة دفاعية - بالمعنى الضيق الذي يفهم اليوم من اصطلاح «الحرب الدفاعية» - كما يريد المهزومون أمام ضغط الواقع الحاضر وأمام هجوم المستشرقين الماكر أن يصوروا حركة الجهاد في الإسلام - إنما كان حركة اندفاع وانطلاق لتحرير «الإنسان» في «الأرض» .. بوسائل مكافئة لكل جوانب الواقع البشري وفي مراحل محددة لكل مرحلة منها وسائلها المتجددة.
وإذا لم يكن بد من أن نسمي حركة الإسلام الجهادية حركة دفاعية ، فلا بد أن نغير مفهوم كلمة «دفاع».
ونعتبره «دفاعا عن الإنسان» ذاته ، ضد جميع العوامل التي تقيد حريته وتعوق تحرره .. هذه العوامل التي تتمثل في المعتقدات والتصورات كما تتمثل في الأنظمة السياسية ، القائمة على الحواجز الاقتصادية والطبقية والعنصرية ، التي كانت سائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام والتي ما تزال أشكال منها سائدة في الجاهلية الحاضرة في هذا الزمان! وبهذا التوسع في مفهوم كلمة «الدفاع» نستطيع أن نواجه حقيقة بواعث الانطلاق الإسلامي في «الأرض» بالجهاد ونواجه طبيعة الإسلام ذاتها ، وهي أنه إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد ، وتقرير ألوهية اللّه وحده وربوبيته للعالمين وتحطيم مملكة الهوى البشري في الأرض ، وإقامة مملكة الشريعة الإلهية في عالم الإنسان ..
أما محاولة إيجاد مبررات دفاعية للجهاد الإسلامي بالمعنى الضيق للمفهوم العصري للحرب الدفاعية ومحاولة البحث عن أسانيد لإثبات أن وقائع الجهاد الإسلامي كانت لمجرد صد العدوان من القوى المجاورة على «الوطن الإسلامي!» - وهو في عرف بعضهم جزيرة العرب - فهي محاولة تنم عن قلة إدراك لطبيعة هذا الدين ، ولطبيعة الدور الذي جاء ليقوم به في الأرض. كما أنها تشي بالهزيمة أمام ضغط الواقع الحاضر وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر على الجهاد الإسلامي! ترى لو كان أبو بكر وعمر وعثمان - رضي اللّه عنهم - قد أمنوا عدوان الروم والفرس على الجزيرة أكانوا يقعدون إذن عن دفع المد الإسلامي إلى أطراف الأرض؟ وكيف كانوا يدفعون هذا المد ، وأمام الدعوة تلك العقبات المادية - من أنظمة الدولة السياسية وأنظمة المجتمع العنصرية والطبقية ، والاقتصادية الناشئة من الاعتبارات العنصرية والطبقية ، والتي تحميها القوة المادية للدولة كذلك؟! إنها سذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير «الإنسان» .. نوع الإنسان .. في «الأرض» .. كل الأرض .. ثم تقف أمام هذه العقبات تجاهدها باللسان والبيان! .. إنها تجاهد باللسان والبيان حينما يخلى بينها وبين الأفراد ، تخاطبهم بحرية ، وهم مطلقو السراح من جميع تلك المؤثرات .. فهنا «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ» ..
أما حين توجد تلك العقبات والمؤثرات المادية ، فلا بد من إزالتها أولا بالقوة ، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله وهو طليق من هذه الأغلال! إن الجهاد ضرورة للدعوة. إذا كانت أهدافها هي إعلان تحرير الإنسان إعلانا جادا يواجه الواقع الفعلي بوسائل مكافئة له في كل جوانبه ولا يكتفي بالبيان الفلسفي النظري السلبي! سواء كان الوطن الإسلامي - وبالتعبير الإسلامي الصحيح : دار الإسلام - آمنا أم مهددا من جيرانه. فالإسلام حين يسعى إلى السلم ، لا يقصد تلك السلم الرخيصة وهي مجرد أن يأمن على الرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية. إنما هو يريد السلم التي يكون الدين فيها كله للّه. أي تكون عبودية الناس كلهم فيها للّه والتي لا يتخذ فيها الناس بعضهم بعضا أربابا من دون اللّه. والعبرة بنهاية المراحل التي وصلت إليها الحركة الجهادية في الإسلام - بأمر من اللّه - لا بأوائل أيام الدعوة ولا بأوسطها .. ولقد انتهت هذه المراحل كما يقول الإمام ابن القيم : «فاستقر أمر الكفار معه - بعد نزول براءة - على ثلاثة أقسام : محاربين له ، وأهل عهد ، وأهل ذمة .. ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام .. فصاروا معه قسمين : محاربين ، وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه ..
فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام : مسلم مؤمن به. ومسالم له آمن (و هم أهل الذمة كما يفهم من الجملة السابقة) وخائف محارب» .. وهذه هي المواقف المنطقية مع طبيعة هذا الدين وأهدافه. لا كما يفهم المهزومون أمام الواقع الحاضر ، وأمام هجوم المستشرقين الماكر! ولقد كف اللّه المسلمين عن القتال في مكة وفي أول العهد بالهجرة إلى المدينة .. وقيل للمسلمين : «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ» .. ثم أذن لهم فيه ، فقيل لهم : «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ - إِلَّا أَنْ يَقُولُوا : رَبُّنَا اللَّهُ. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» .. ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقيل لهم : «وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ» .. ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة فقيل لهم : «وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً» .. وقيل لهم : «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» ..
فكان القتال - كما يقول الإمام ابن القيم - «محرما ، ثم مأذونا به ، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال ، ثم مأمورا به لجميع المشركين» ..
إن جدية النصوص القرآنية الواردة في الجهاد وجدية الأحاديث النبوية التي تحض عليه وجدية الوقائع الجهادية في صدر الإسلام ، وعلى مدى طويل من تاريخه .. إن هذه الجدية الواضحة تمنع أن يجول في النفس ذلك التفسير الذي يحاوله المهزومون أمام ضغط الواقع الحاضر وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر على الجهاد الإسلامي! ومن ذا الذي يسمع قول اللّه سبحانه في هذا الشأن وقول رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ويتابع وقائع الجهاد الإسلامي ثم يظنه شأنا عارضا مقيدا بملابسات تذهب وتجيء ويقف عند حدود الدفاع لتأمين الحدود؟! لقد بين اللّه للمؤمنين في أول ما نزل من الآيات التي أذن لهم فيها بالقتال أن الشأن الدائم الأصيل في طبيعة هذه الحياة الدنيا أن يدفع الناس بعضهم ببعض ، لدفع الفساد عن الأرض : «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً» .. وإذن فهو الشأن الدائم لا الحالة العارضة. الشأن الدائم أن لا يتعايش الحق والباطل في هذه الأرض. وأنه متى قام الإسلام بإعلانه العام لإقامة ربوبية اللّه للعالمين ، وتحرير الإنسان من العبودية للعباد ، رماه المغتصبون لسلطان اللّه في الأرض ولم يسالموه قط وانطلق هو كذلك يدمر عليهم ليخرج الناس من سلطانهم ويدفع عن «الإنسان» في «الأرض» ذلك السلطان الغاصب .. حال دائمة لا يكف معها الانطلاق الجهادي التحريري حتى يكون الدين كله للّه.
إن الكف عن القتال في مكة لم يكن إلا مجرد مرحلة في خطة طويلة. كذلك كان الأمر أول العهد بالهجرة.
والذي بعث الجماعة المسلمة في المدينة بعد الفترة الأولى للانطلاق لم يكن مجرد تأمين المدينة .. هذا هدف أولي لا بد منه .. ولكنه ليس الهدف الأخير .. إنه هدف يضمن وسيلة الانطلاق ويؤمن قاعدة الانطلاق ..
الانطلاق لتحرير «الإنسان» ، ولإزالة العقبات التي تمنع «الإنسان» ذاته من الانطلاق! وكف أيدي المسلمين في مكة عن الجهاد بالسيف مفهوم. لأنه كان مكفولا للدعوة في مكة حرية البلاغ ..
كان صاحبها - صلى اللّه عليه وسلم - يملك بحماية سيوف بني هاشم ، أن يصدع بالدعوة ويخاطب بها الآذان والعقول والقلوب ويواجه بها الأفراد .. لم تكن هناك سلطة سياسية منظمة تمنعه من إبلاغ الدعوة ، أو تمنع الأفراد من سماعه! فلا ضرورة - في هذه المرحلة - لاستخدام القوة. وذلك إلى أسباب أخرى لعلها كانت قائمة في هذه المرحلة. وقد لخصناها عند تفسير قوله تعالى : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ...» من سورة النساء. ولا نرى بأسا في إثبات بعض هذا التلخيص هنا مرة أخرى : «ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد ، في بيئة معينة ، لقوم معينين ، وسط ظروف معينة. ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئة بالذات ، تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم على شخصه أو على من يلوذون به. ليخلص من شخصه ، ويتجرد من ذاته ، ولا تعود ذاته ولا من يلوذون به محور الحياة في نظره ودافع الحركة في حياته. وتربيته كذلك على ضبط أعصابه ، فلا يندفع لأول مؤثر - كما هي طبيعته - ولا يهتاج لأول مهيج ، ليتم الاعتدال في طبيعته وحركته.
وتربيته على أن يتبع مجتمعا منظما له قيادة يرجع إليها في كل أمر من أمور حياته ، ولا يتصرف إلا وفق ما تأمره به - مهما يكن مخالفا لمألوفه وعادته - وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي ، لإنشاء «المجتمع المسلم» الخاضع لقيادة موجهة ، المترقي المتحضر ، غير الهمجي أو القبلي! «وربما كان ذلك أيضا ، لأن الدعوة السلمية كانت أشد أثرا وأنفذ ، في مثل بيئة قريش ، ذات العنجهية والشرف والتي قد يدفعها القتال معها - في مثل هذه المرحلة - إلى زيادة العناد ، وإلى نشأة ثارات دموية جديدة كثارات العرب المعروفة التي أثارت حرب داحس والغبراء ، وحرب البسوس ، أعواما طويلة ، تفانت فيها قبائل برمتها. وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإسلام. فلا تهدأ بعد ذلك أبدا. ويتحول الإسلام من دعوة إلى ثارات وذحول تنسى معها وجهته الأساسية ، وهو في مبدئه ، فلا تذكر أبدا! «وربما كان ذلك أيضا ، اجتنابا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت. فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة ، هي التي تعذب المؤمنين وتفتنهم. إنما كان ذلك موكولا إلى أولياء كل فرد ، يعذبونه ويفتنونه «ويؤدبونه!» ومعنى الإذن بالقتال - في مثل هذه البيئة - أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت .. ثم يقال :
هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في الموسم ، في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة : إن محمدا يفرق بين الوالد وولده ، فوق تفريقه لقومه وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد ، والمولى بقتل الولي .. في كل بيت وفي كل محلة؟
« وربما كان ذلك أيضا لما يعلمه اللّه من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم ، ويعذبونهم ويؤذونهم ، هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص ، بل من قادته .. ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟! «وربما كان ذلك أيضا ، لأن النخوة العربية ، في بيئة قبلية ، من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ، ولا يتراجع! وبخاصة إذا كان الأذى واقعا على كرام الناس فيهم .. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة - في هذه البيئة - فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة ، ورأى في ذلك عارا على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته .. وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب ، بعد ما طال عليهم الجوع واشتدت المحنة .. بينما في بيئة أخرى من بيئات «الحضارة» القديمة التي مردت على الذل ، قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة ، وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي! «وربما كان ذلك ، أيضا ، لقلة عدد المسلمين حينذاك ، وانحصارهم في مكة ، حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة. أو بلغت أخبارها متناثرة ، حيث كانت القبائل تقف على الحياد من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها ، حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة ، إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك ، وتنمحي الجماعة المسلمة ، ولم يقم في الأرض للإسلام نظام ، ولا وجد له كيان واقعي .. وهو دين جاء ليكون منهاج حياة ، وليكون نظاما واقعيا عمليا للحياة.
«... إلخ» ... فأما في المدينة - في أول العهد بالهجرة - فقد كانت المعاهدة التي عقدها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مع اليهود من أهلها ومن بقي على الشرك من العرب فيها وفيما حولها ، ملابسة تقتضيها طبيعة المرحلة كذلك ..
أولا : لأن هناك مجالا للتبليغ والبيان ، لا تقف له سلطة سياسية تمنعه وتحول بين الناس وبينه ، فقد اعترف الجميع بالدولة المسلمة الجديدة وبقيادة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في تصريف شؤونها السياسية. فنصت المعاهدة على ألا يعقد أحد منهم صلحا ولا يثير حربا ، ولا ينشىء علاقة خارجية إلا بإذن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وكان واضحا أن السلطة الحقيقية في المدينة في يد القيادة المسلمة. فالمجال أمام الدعوة مفتوح ، والتخلية بين الناس وحرية الاعتقاد قائمة.
ثانيا : أن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - كان يريد التفرغ - في هذه المرحلة - لقريش التي تقوم معارضتها لهذا الدين حجر عثرة في وجه القبائل الأخرى الواقفة في حالة انتظار لما ينتهي إليه الأمر بين قريش وبعض بنيها! لذلك بادر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بإرسال «السرايا» وكان أول لواء عقده لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة.
ثم توالت هذه السرايا ، على رأس تسعة أشهر. ثم على رأس ثلاثة عشر شهرا. ثم على رأس ستة عشر شهرا.
ثم كانت سرية عبد اللّه بن جحش في رجب على رأس سبعة عشر شهرا. وهي أول غزاة وقع فيها قتل وقتال.
وكان ذلك في الشهر الحرام. والتي نزلت فيها آيات البقرة : «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ! قُلْ : قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ. وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا ...» .
ثم كانت غزوة بدر الكبرى في رمضان من هذه السنة .. وهي التي نزلت فيها هذه السورة التي نحن بصددها.
ورؤية الموقف من خلال ملابسات الواقع ، لا تدع مجالا للقول بأن «الدفاع» بمفهومه الضيق كان هو قاعدة الحركة الإسلامية. كما يقول المهزومون أمام الواقع الحاضر ، وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر! إن الذين يلجأون إلى تلمس أسباب دفاعية بحتة لحركة المد الإسلامي ، إنما يؤخذون بحركة الهجوم الاستشراقية ، في وقت لم تعد للمسلمين شوكة بل لم يعد للمسلمين إسلام! - إلا من عصم اللّه ممن يصرون على تحقيق إعلان الإسلام العام بتحرير «الإنسان» في «الأرض» من كل سلطان إلا سلطان اللّه ، ليكون الدين كله للّه - فيبحثون عن مبررات أدبية للجهاد في الإسلام!
والمد الإسلامي ليس في حاجة إلى مبررات أدبية له أكثر من المبررات التي حملتها النصوص القرآنية :
« فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ. وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً. وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها ، وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً؟ الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ، فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً» ... (النساء : 74 - 76).
«قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا : إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ، وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ. وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ، نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ» ... (الأنفال : 38 - 40) ..
« قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ. وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ، وَقالَتِ النَّصارى : الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ! اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ، وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» .. (التوبة : 29 - 32).
إنها مبررات تقرير ألوهية اللّه في الأرض وتحقيق منهجه في حياة الناس. ومطاردة الشياطين ومناهج الشياطين وتحطيم سلطان البشر الذي يتعبد الناس ، والناس عبيد اللّه وحده ، لا يجوز أن يحكمهم أحد من عباده بسلطان من عند نفسه وبشريعة من هواه ورأيه! وهذا يكفي .. مع تقرير مبدأ : «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ» ..
أي لا إكراه على اعتناق العقيدة ، بعد الخروج من سلطان العبيد والإقرار بمبدأ أن السلطان كله للّه. أو أن الدين كله للّه. بهذا الاعتبار.
إنها مبررات التحرير العام للإنسان في الأرض. بإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية للّه وحده بلا شريك .. وهذه وحدها تكفي .. ولقد كانت هذه المبررات ماثلة في نفوس الغزاة من المسلمين فلم يسأل أحد منهم عما أخرجه للجهاد فيقول : خرجنا ندافع عن وطننا المهدد! أو خرجنا نصد عدوان الفرس أو الروم علينا نحن المسلمين! أو خرجنا نوسع رقعتنا ونستكثر من الغنيمة! لقد كانوا يقولون كما قال ربعي بن عامر ، وحذيفة بن محصن ، والمغيرة بن شعبة ، جميعا لرستم قائد جيش الفرس في القادسية ، وهو يسألهم واحدا بعد واحد في ثلاثة أيام متوالية ، قبل المعركة : ما الذي جاء بكم؟ فيكون الجواب : اللّه ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه ، فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه ، وتركناه وأرضه. ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر».
إن هناك مبررا ذاتيا في طبيعة هذا الدين ذاته وفي إعلانه العام ، وفي منهجه الواقعي لمقابلة الواقع البشري بوسائل مكافئة لكل جوانبه ، في مراحل محددة ، بوسائل متجددة .. وهذا المبرر الذاتي قائم ابتداء - ولو لم يوجد خطر الاعتداء على الأرض الإسلامية وعلى المسلمين فيها - إنه مبرر في طبيعة المنهج وواقعيته ، وطبيعة المعوقات الفعلية في المجتمعات البشرية .. لا من مجرد ملابسات دفاعية محدودة ، وموقوتة! وإنه ليكفي أن يخرج المسلم مجاهدا بنفسه وماله .. «فِي سَبِيلِ اللَّهِ». في سبيل هذه القيم التي لا يناله هو من ورائها مغنم ذاتي ولا يخرجه لها مغنم ذاتي ..
إن المسلم قبل أن يتطلق للجهاد في المعركة يكون قد خاض معركة الجهاد الأكبر في نفسه مع الشيطان .. مع هواه وشهواته .. مع مطامعه ورغباته .. مع مصالحه ومصالح عشيرته وقومه .. مع كل شارة غير شارة الإسلام .. ومع كل دافع إلا العبودية للّه ، وتحقيق سلطانه في الأرض وطرد سلطان الطواغيت المغتصبين لسلطان اللّه ..
والذين يبحثون عن مبررات للجهاد الإسلامي في حماية «الوطن الإسلامي» يغضون من شأن «المنهج» ويعتبرونه أقل من «الموطن»! وهذه ليست نظرة الإسلام إلى هذه الاعتبارات .. إنها نظرة مستحدثة غريبة على الحس الإسلامي ، فالعقيدة والمنهج الذي تتمثل فيه والمجتمع الذي يسود فيه هذا المنهج هي الاعتبارات الوحيدة في الحس الإسلامي. أما الأرض - بذاتها - فلا اعتبار لها ولا وزن! وكل قيمة للأرض في التصور الإسلامي إنما هي مستمدة من سيادة منهج اللّه وسلطانه فيها. وبهذا تكون محضن العقيدة وحقل المنهج و«دار الإسلام» ونقطة الانطلاق لتحرير «الإنسان» ..
وحقيقة أن حماية «دار الإسلام» حماية للعقيدة والمنهج والمجتمع الذي يسود فيه المنهج. ولكنها هي ليست الهدف النهائي. وليست حمايتها هي الغاية الأخيرة لحركة الجهاد الإسلامي. إنما حمايتها هي الوسيلة لقيام مملكة اللّه فيها. ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها ، وإلى النوع الإنساني بجملته. فالنوع الإنساني هو موضوع هذا الدين ، والأرض هي مجاله الكبير! وكما أسلفنا فإن الانطلاق بالمنهج الإلهي تقوم في وجهه عقبات مادية من سلطة الدولة ، ونظام المجتمع ، وأوضاع البيئة .. وهذه كلها هي التي ينطلق الإسلام ليحطمها بالقوة. كي يخلو له وجه الأفراد من الناس ، يخاطب ضمائرهم وأفكارهم ، بعد أن يحررها من الأغلال المادية ويترك لها بعد ذلك حرية الاختيار ..
يجب ألا تخدعنا أو تفزعنا حملات المستشرقين على مبدأ «الجهاد» ، وألا يثقل على عاتقنا ضغط الواقع وثقله في ميزان القوى العالمية ، فنروح نبحث للجهاد الإسلامي عن مبررات أدبية خارجة عن طبيعة هذا الدين ، في ملابسات دفاعية وقتية ، كان الجهاد سينطلق في طريقه سواء وجدت هذه الملابسات أم لم توجد! ويجب ونحن نستعرض الواقع التاريخي ألا نغفل عن الاعتبارات الذاتية في طبيعة هذا الدين وإعلانه العام ومنهجه الواقعي .. وألا نخلط بينها وبين المقتضيات الدفاعية الوقتية ..
حقا إنه لم يكن بد لهذا الدين أن يدافع المهاجمين له. لأن مجرد وجوده ، في صورة إعلان عام لربوبية اللّه للعالمين ، وتحرير الإنسان من العبودية لغير اللّه ، وتمثل هذا الوجود في تجمع تنظيمي حركي تحت قيادة جديدة غير قيادات الجاهلية ، وميلاد مجتمع مستقل متميز لا يعترف لأحد من البشر بالحاكمية ، لأن الحاكمية فيه للّه وحده .. إن مجرد وجود هذا الدين في هذه الصورة لا بد أن يدفع المجتمعات الجاهلية من حوله ، القائمة على قاعدة العبودية للعباد ، أن تحاول سحقه ، دفاعا عن وجودها ذاته. ولا بد أن يتحرك المجتمع الجديد للدفاع عن نفسه ..
هذه ملابسة لا بد منها. تولد مع ميلاد الإسلام ذاته. وهذه معركة مفروضة على الإسلام فرضا ، ولا خيار له في خوضها. وهذا صراع طبيعي بين وجودين لا يمكن التعايش بينهما طويلا ..
هذا كله حق .. ووفق هذه النظرة يكون لا بد للإسلام أن يدافع عن وجوده. ولا بد أن يخوض معركة دفاعية مفروضة عليه فرضا ..
ولكن هناك حقيقة أخرى أشد أصالة من هذه الحقيقة .. إن من طبيعة الوجود الإسلامي ذاته أن يتحرك إلى الأمام ابتداء لإنقاذ «الإنسان» في «الأرض» من العبودية لغير اللّه. ولا يمكن أن يقف عند حدود جغرافية ولا أن ينزوي داخل حدود عنصرية تاركا «الإنسان» .. نوع الإنسان .. في «الأرض» ..
كل الأرض .. للشر والفساد والعبودية لغير اللّه.
إن المعسكرات المعادية للإسلام قد يجيء عليها زمان تؤثر فيه ألا تهاجم الإسلام ، إذا تركها الإسلام تزاول عبودية البشر للبشر داخل حدودها الإقليمية ورضي أن يدعها وشأنها ولم يمد إليها دعوته وإعلانه التحريري العام! .. ولكن الإسلام لا يهادنها ، إلا أن تعلن استسلامها لسلطانه في صورة أداء الجزية ، ضمانا لفتح أبوابها لدعوته بلا عوائق مادية من السلطات القائمة فيها.
هذه طبيعة هذا الدين ، وهذه وظيفته بحكم أنه إعلان عام لربوبية اللّه للعالمين وتحرير الإنسان من كل عبودية لغير اللّه في الناس أجمعين! وفرق بين تصور الإسلام على هذه الطبيعة ، وتصوره قابعا داخل حدود إقليمية أو عنصرية ، لا يحركه إلا خوف الاعتداء! إنه في هذه الصورة الأخيرة يفقد مبرراته الذاتية في الانطلاق! إن مبررات الانطلاق الإسلامي تبرز بوضوح وعمق عند تذكر أن هذا الدين هو منهج اللّه للحياة البشرية ، وليس منهج إنسان ، ولا مذهب شيعة من الناس ، ولا نظام جنس من الأجناس! .. ونحن لا نبحث عن مبررات خارجية إلا حين تفتر في حسنا هذه الحقيقة الهائلة .. حين ننسى أن القضية هي قضية ألوهية اللّه وعبودية العباد .. إنه لا يمكن أن يستحضر إنسان ما هذه الحقيقة الهائلة ثم يبحث عن مبرر آخر للجهاد الإسلامي! والمسافة قد لا تبدو كبيرة عند مفرق الطريق ، بين تصور أن الإسلام كان مضطرا لخوض معركة لا اختيار له فيها ، بحكم وجوده الذاتي ووجود المجتمعات الجاهلية الأخرى التي لا بد أن تهاجمه. وتصور أنه هو بذاته لا بد أن يتحرك ابتداء ، فيدخل في هذه المعركة ..
المسافة عند مفرق الطريق قد لا تبدو كبيرة. فهو في كلتا الحالتين سيدخل المعركة حتما. ولكنها في نهاية الطريق تبدو هائلة شاسعة ، تغير المشاعر والمفهومات الإسلامية تغييرا كبيرا .. خطيرا ..
إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام منهجا إلهيا ، جاء ليقرر ألوهية اللّه في الأرض ، وعبودية البشر جميعا لإله واحد ، ويصب هذا التقرير في قالب واقعي ، هو المجتمع الإنساني الذي يتحرر فيه الناس من العبودية للعباد ، بالعبودية لرب العباد ، فلا تحكمهم إلا شريعة اللّه ، التي يتمثل فيها سلطان اللّه ، أو بتعبير آخر تتمثل فيها ألوهيته .. فمن حقه إذن أن يزيل العقبات كلها من طريقه ، ليخاطب وجدان الأفراد وعقولهم دون حواجز ولا موانع مصطنعة من نظام الدولة السياسي ، أو أوضاع الناس الاجتماعية .. إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام على هذا النحو ، واعتباره نظاما محليا في وطن بعينه. فمن حقه فقط أن يدفع الهجوم عليه في داخل حدوده الإقليمية! هذا تصور .. وذاك تصور .. ولو أن الإسلام في كلتا الحالتين سيجاهد .. ولكن التصور الكلي لبواعث هذا الجهاد وأهدافه ونتائجه ، يختلف اختلافا بعيدا ، يدخل في صميم الاعتقاد كما يدخل في صميم الخطة والاتجاه.
إن من حق الإسلام أن يتحرك ابتداء. فالإسلام ليس نحلة قوم ، ولا نظام وطن ، ولكنه منهج إله ، ونظام عالم .. ومن حقه أن يتحرك ليحطم الحواجز من الأنظمة والأوضاع التي تغل من حرية «الإنسان» في الاختيار.
وحسبه أنه لا يهاجم الأفراد ليكرههم على اعتناق عقيدته. إنما يهاجم الأنظمة والأوضاع ليحرر الأفراد من التأثيرات الفاسدة ، المفسدة للفطرة ، المقيدة لحرية الاختيار.
من حق الإسلام أن يخرج «الناس» من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده .. ليحقق إعلانه العام بربوبية اللّه للعالمين ، وتحرير الناس أجمعين .. وعبادة اللّه وحده لا تتحقق - في التصور الإسلامي وفي الواقع العملي - إلا في ظل النظام الإسلامي. فهو وحده النظام الذي يشرع اللّه فيه للعباد كلهم. حاكمهم ومحكومهم.
أسودهم وأبيضهم. قاصيهم ودانيهم. فقيرهم وغنيهم تشريعا واحدا يخضع له الجميع على السواء .. أما في سائر الأنظمة ، فيعبد الناس العباد ، لأنهم يتلقون التشريع لحياتهم من العباد. وهو من خصائص الألوهية.
فأيما بشر ادعى لنفسه سلطان التشريع للناس من عند نفسه فقد ادعى الألوهية اختصاصا وعملا ، سواء ادعاها قولا أم لم يعلن هذا الادعاء! وأيما بشر آخر اعترف لذلك البشر بذلك الحق فقد اعترف له بحق الألوهية ، سواء سماها باسمها أم لم يسمها! والإسلام ليس مجرد عقيدة. حتى يقنع بإبلاغ عقيدته للناس بوسيلة البيان. إنما هو منهج يتمثل في تجمع تنظيمي حركي يزحف لتحرير كل الناس. والتجمعات الأخرى لا تمكنه من تنظيم حياة رعاياها وفق منهجه هو.
ومن ثم يتحتم على الإسلام أن يزيل هذه الأنظمة بوصفها معوقات للتحرر العام. وهذا - كما قلنا من قبل - معنى أن يكون الدين كله للّه. فلا تكون هناك دينونة ولا طاعة لعبد من العباد لذاته ، كما هو الشأن في سائر الأنظمة التي تقوم على عبودية العباد للعباد! إن الباحثين الإسلاميين المعاصرين المهزومين تحت ضغط الواقع الحاضر ، وتحت الهجوم الاستشراقي الماكر ، يتحرجون من تقرير تلك الحقيقة. لأن المستشرقين صوروا الإسلام حركة قهر بالسيف للإكراه على العقيدة. والمستشرقون الخبثاء يعرفون جيدا أن هذه ليست هي الحقيقة. ولكنهم يشوهون بواعث الجهاد الإسلامي بهذه الطريقة .. ومن ثم يقوم المنافحون - المهزومون - عن سمعة الإسلام ، بنفي هذا الاتهام! فيلجأون إلى تلمس المبررات الدفاعية! ويغفلون عن طبيعة الإسلام ووظيفته ، وحقه في «تحرير الإنسان» ابتداء.
وقد غشى على أفكار الباحثين العصريين - المهزومين - ذلك التصور الغربي لطبيعة «الدين» .. وأنه مجرد «عقيدة» في الضمير لا شأن لها بالأنظمة الواقعية للحياة .. ومن ثم يكون الجهاد للدين ، جهادا لفرض العقيدة على الضمير! ولكن الأمر ليس كذلك في الإسلام. فالإسلام منهج اللّه للحياة البشرية. وهو منهج يقوم على إفراد اللّه وحده بالألوهية - متمثلة في الحاكمية - وينظم الحياة الواقعية بكل تفصيلاتها اليومية! فالجهاد له جهاد لتقرير المنهج وإقامة النظام. أما العقيدة فأمرها موكول إلى حرية الاقتناع ، في ظل النظام العام ، بعد رفع جميع المؤثرات .. ومن ثم يختلف الأمر من أساسه ، وتصبح له صورة جديدة كاملة.
وحيثما وجد التجمع الإسلامي ، الذي يتمثل فيه المنهج الإلهي ، فإن اللّه يمنحه حق الحركة والانطلاق لتسلم السلطان وتقرير النظام. مع ترك مسألة العقيدة الوجدانية لحرية الوجدان .. فإذا كف اللّه أيدي الجماعة المسلمة فترة عن الجهاد ، فهذه مسألة خطة لا مسألة مبدأ. مسألة مقتضيات حركة لا مسألة مقررات عقيدة. وعلى هذا الأساس الواضح يمكن أن نفهم النصوص القرآنية المتعددة ، في المراحل التاريخية المتجددة. ولا نخلط بين دلالالتها المرحلية ، والدلالة العامة لخط الحركة الإسلامية الثابت الطويل.
وبعد ، فإن هناك بقية في بيان طبيعة «الجهاد في الإسلام» و«طبيعة هذا الدين» يمدنا بها المبحث المجمل القيم الذي أمدنا به المسلم العظيم السيد أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان ، بعنوان «الجهاد في سبيل اللّه» .. وسنحتاج أن نقتبس منه فقرات طويلة لا غنى عنها لقارىء يريد رؤية واضحة دقيقة لهذا الموضوع الخطير العميق في بناء الحركة الإسلامية : « لقد جرت عادة الإفرنج أن يعبروا عن كلمة «الجهاد» «بالحرب المقدسة» () إذا أرادوا ترجمتها بلغاتهم. وقد فسروها تفسيرا منكرا. وتفننوا فيها ، وألبسوها ثوبا فضفاضا من المعاني المموهة الملفقة.
وقد بلغ الأمر في ذلك أن أصبحت كلمة الجهاد عندهم عبارة عن شراسة الطبع والخلق والهمجية وسفك الدماء. وقد كان من لباقتهم ، وسحر بيانهم ، وتشويههم لوجوه الحقائق الناصعة ، أنه كلما قرع سمع الناس صوت هذه الكلمة .. الجهاد .. تمثلت أمام أعينهم صورة مواكب من الهمج المحتشدة ، مصلتة سيوفها ، متقدة صدورها بنار التعصب والغضب ، متطايرا من عيونها شرار الفتك والنهب ، عالية أصواتها بهتاف : «اللّه أكبر» ، زاحفة إلى الأمام ، ما إن رأت كافرا حتى أمسكت بخناقه ، وجعلته بين أمرين : إما أن يقول كلمة : «لا إله إلا اللّه» فينجو بنفسه ، وإما أن يضرب عنقه ، فتشخب أو داجه دما! «ولقد رسم الدهان هذه «الصورة» بلباقة فائقة ، وتفننوا فيها بريشة المتفنن المبدع وكان من دهائهم ولباقتهم في هذا الفن أن صبغوها بصبغ من النجيع الأحمر ، وكتبوا تحتها :
« هذه الصورة مرآة لما كان بسلف هذه الأمة من شره إلى سفك الدماء ، وجشع إلى الفتك بالأبرياء»! «والعجب كل العجب ، أن الذين عملوا على هذه الصورة وقاموا بما كان لهم من حظ موفور في إبرازها وعرضها على الأنظار ، هم هم الذين مضت عليهم قرون وأجيال يتقاتلون ويتناحرون فيما بينهم إرضاء لشهواتهم الدنيئة وإطفاء لأوار مطامعهم الأشعبية ، وتلك هي حربهم الملعونة غير المقدسة () التي أثاروها على الأمم المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها ، وجاسوا خلال ديارهم يبحثون عن أسواق لبضائعهم وأراض لمستعمراتهم التي يريدون أن يستعمروها ، ويستبدوا بمنابع ثروتها دون أصحابها الشرعيين ، ويفتشون عن المناجم والمعادن ، وعما تغله أرض اللّه الواسعة من الحاصلات التي يمكن أن تكون غذاء لبطون مصانعهم ومعاملهم. يبحثون عن كل ذلك وقلوبهم كلها جشع وشره إلى المال والجاه. وبين أيديهم الدبابات المدججة ، وفوق رؤوسهم الطائرات المحلقة في جو السماء ، ووراء ظهورهم مئات الألوف من العساكر المدربة يقطعون على البلاد سبل رزقها ، وعلى أهاليها الوادعين طريقهم إلى الحياة الكريمة ، يريدون بذلك أن يهيئوا وقودا لنيران مطامعهم الفاحشة التي لا تزيدها الأيام إلا التهابا واضطرابا. فلم تكن حروبهم في «سبيل اللّه» ، وإنما كانت في سبل شهواتهم الدنيئة ، وأهوائهم الذميمة ...
«هذه هي حال الذين يصموننا بالغزو والقتال ، الذي سبق لنا من أعمال الفتوح والحروب قد مضت عليه أحقاب طويلة. أما أعمالهم المخزية هذه فلا يزالون يقترفونها ليل نهار بمرأى ومسمع من العالم «المتحضر المتمدن!». وأي بلاد اللّه ، يا ترى ، قد سلمت من عدوانهم ، وما تخضبت أراضيها بدماء أبنائها الزكية؟
وأية هذه القارات العظيمة من آسيا وإفريقية وأمريكا ما ذاقت وبال حروبهم الملعونة؟ .. لكن هؤلاء الدهاة
رسموا صورتنا بلباقة منكرة ، وأبدأوا وأعادوا في عرضها بشكل هائل بشع ، وقد سحب ذيل النسيان على صورتهم الدميمة ، حتى لا يكاد يذكرها أحد بجنب الصورة المنكرة التي صوروا بها تاريخنا ومآثر أسلافنا.
فما أعظم دهاءهم! وما أبرعهم في التزوير والتمويه! «أما سذاجتنا وبله رجالنا ، فحدث عن البحر ولا حرج! وأي بله أعظم من اغترارنا بالصورة المنكرة التي صوروا بها مآثرنا حتى كدنا نؤمن بصحتها ومطابقتها للحقيقة؟ وما دار بخلدنا أن ننظر إلى الأيدي الأثيمة التي عملت عملها في رسم هذه الصورة المزورة ، وأن نبحث عن الأقلام الخفية التي تفننت في تمويهها وزخرفتها.
وقد بلغ من اغترارنا بتزويرهم ، وانخداعنا بتلك الصورة المموهة أن اعترانا الخجل والندامة ، وعدنا نعتذر إلى القوم ، نبدل كلام اللّه ، ونحرف الكلم عن مواضعه ، ونقول لهم : «ما لنا وللقتال ، أيها السادة ، إنما نحن دعاة مبشرون ، ندعو إلى دين اللّه ، دين الأمن والسلام والدعة بالحكمة والموعظة الحسنة ، نبلغ كلام اللّه تبليغ الرهبان والدراويش والصوفية ، ونجادل من يعارضنا بالتي هي أحسن ، بالخطب والرسائل والمقالات حتى يؤمن من يؤمن بدعوتنا عن بينة! هذه هي دعوتنا لا تزيد ولا تنقص! أما السيف والقتال به فمعاذ اللّه أن نمت إليه بصلة. اللهم إلا أن يقال : إننا ربما دافعنا عن أنفسنا حينما اعتدى علينا أحد! ذلك أيضا قد مضت عليه سنون وأعوام طويلة. أما اليوم فقد أظهرنا براءتنا من ذلك أيضا! ومن أجل ذلك نسخنا الجهاد «رسميا»! ذلك الجهاد الممقوت الذي يعمل فيه السيف عمله! حتى لا يقلق بالكم ولا يقض عليكم المضجع! فما الجهاد اليوم إلا مواصلة الجهود باللسان والقلم وليس لنا إلا أن نلعب بمرهفات الألسنة وأسنة الأقلام! أما المدافع والدبابات والرشاشات وغيرها من آلات الحرب واستخدامها ، فأنتم أحق بها وأهلها!».
« هذه مكايدهم السياسية التي كشفنا لك القناع عن بعضها فيما تقدم. لكنا إذا أنعمنا النظر في المسألة من الوجهة العلمية ، ودققنا النظر في الأسباب التي أشكل لأجلها استجلاء حقيقة «الجهاد في سبيل اللّه» ، واستكناه سرها على المسلمين أنفسهم فضلا عن غير المسلمين ، لاح لنا أن مرجع هذا الخطأ إلى أمرين مهمين لم يسبروا غورهما ، ولم يدركوا مغزاهما على وجه الحقيقة : «فالأول : أنهم ظنوا الإسلام نحلة () بالمعنى الذي تطلق عليه كلمة «النحلة» () عامة ..
«والثاني : أنهم حسبوا المسلمين أمة () بالمعنى الذي تستعمل فيه هذه الكلمة في عامة الأحوال.
«فالحقيقة أن خطأ القوم في فهم هذين الأمرين المهمين ، وعدم استجلائهم لوجه الحق في هاتين المسألتين الأساسيتين هو الذي شوه وجه الحقيقة الناصعة في هذا الشأن ، وعاقهم عن إدراك مغزى الجهاد الإسلامي.
بل الحق - والحق أحق أن يتبع - أن هذا الخطأ الأساسي في فهم هاتين المسألتين قد أرخى سدوله على حقيقة الدين الإسلامي بأسره ، وقلب الأمر ظهرا لبطن ، وجعل موقف المسلمين من العالم ومسائله المتجددة ومشاكله المتشعبة حرجا ضيقا ، لا يرضاه الإسلام وتعاليمه الخالدة : «فالنحلة () على حسب الاصطلاح الشائع عندهم ، لا يراد بها إلا مجموعة من العقائد والعبادات والشعائر. ولا جرم أن «النحلة» بهذا المعنى لا تعدو أن تكون مسألة شخصية. فأنت حر فيما تختاره من العقيدة ولك الخيار في أن تعبد بأي طريق شئت من رضيت به ربا لنفسك. وإن أبت نفسك إلا التحمس
. المترجم.
لهذه النحلة والانتصار لعقيدتها فلك أن تخترق الأرض ، وتجوب بلاد اللّه الشاسعة ، داعيا إلى عقيدتها ، مدافعا عن كيانها بالحجج والبراهين ، مجادلا من يخالفونك فيها بمرهفات الألسنة وأسنة الأقلام. أما السيف وآلات الحرب والقتال ، فما لك وما لها في هذا الشأن؟ أتريد أن تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين بعقيدتك؟! وإن كان الإسلام نحلة () كنحل العالم ، على حسب الاصطلاح الشائع عندهم كما يزعمون ، فالظاهر أنه لا شأن فيها للسيف وأدوات الحرب ، كما قالوا. ولو كان موقف الإسلام في نفس الأمر كما زعموا ووصفوا لما كان فيه مساغ للجهاد ، ولم يكن من الإسلام في ورد ولا صدر لكن الأمر على خلاف ذلك ، كما سوف تعرفه فيما يأتي من البيان. وكذلك كلمة «الأمة» ()فما هي إلا عبارة عن طائفة من الناس متوافقة فيما بينها (..) اجتمعت وتألفت وامتازت من بين طوائف أخرى لاشتراكها في بعض الأمور الجوهرية. فالطائفة التي تكون «أمة» ، بهذا المعنى ، لا يبعثها على استخدام السيف إلا أمران : إما أن يعتدي عليها أحد ، ويريد أن يسلبها حقوقها المعروفة وإما أن تحمل هي بنفسها على طائفة أخرى لتنتزع من يدها حقوقها المعروفة. ففي الصورة الأولى منهما ، لها سعة في الأمر ، وهي لا تخلو من وازع خلقي يلجئها إلى استخدام السيف والبطش بمن اعتدى عليها. وإن كان بعض المتشدقين بالأمن والسلام لا يبيح ذلك أيضا! - أما الصورة الثانية - أي الاعتداء على حقوق غيرها والإغارة على الشعوب والأمم من غير ما سبب - فلا يبيحها غير الجبابرة المسيطرين () حتى إن ساسة الدول الكبرى كبريطانيا وأمريكا أيضا لا يقدرون أن يجترئوا على القول بجوازها! «فإن كان الإسلام «نحلة» كالنحل الأخرى ، والمسلمون «أمة» كغيرهم من أمم العالم ، فلا جرم أن «الجهاد» الإسلامي يفقد بذلك جميع المزايا والخصائص التي جعلته رأس العبادات ودرة تاجها ..
لكن الحقيقة أن الإسلام ليس بنحلة كالنحل الرائجة ، وأن المسلمين ليسو بأمة كأمم العالم .. بل الأمر أن الإسلام فكرة انقلابية () ومنهاج انقلابي يريد أن يهدم نظام العالم الاجتماعي بأسره ويأتي بنيانه من القواعد ، ويؤسس بنيانه من جديد حسب فكرته ومنهاجه العملي .. ومن هناك تعرف أن لفظ «المسلم» وصف للحزب الانقلابي العالمي (..) الذي يكونه الإسلام ، وينظم صفوفه ، ليكون أداة في إحداث ذلك البرنامج الانقلابي الذي يرمي إليه الإسلام ، ويطمح إليه ببصره. والجهاد عبارة عن الكفاح الانقلابي (.) عن تلك الحركة الدائبة المستمرة التي يقام بها للوصول إلى هذه الغاية ، وإدراك هذا المبتغى.
«والإسلام يتجنب الكلمات الشائعة في دعوته وبيان منهجه العملي - شأن غيره من الدعوات الفكرية والمناهج الانقلابية - بل يؤثر لذلك لغة من المصطلحات () خاصة ، لئلا يقع الالتباس بين دعوته وما إليها من الأفكار والتصورات ، وبين الأفكار والتصورات الشائعة الرائجة. «فالجهاد» أيضا من الكلمات التي اصطلح عليها الإسلام لأداء مهمته وتبيين تفاصيل دعوته. فأنت ترى أن الإسلام قد تجنب لفظة (الحرب) وغيرها من الكلمات التي تؤدي معنى القتال () في اللغة العربية ، واستبدل بها كلمة () في اللغة الانجليزية. غير أن لفظة (الجهاد) أبلغ منها تأثيرا ، وأكثر منها إحاطة بالمعنى المقصود. فما الذي أفضى بالإسلام إلى أن يختار هذه الكلمة الجديدة ، صارفا بوجهه عن الكلمات القديمة الرائجة؟ الذي أراه وأجزم به أنه ليس لذلك إلا سبب واحد : وهو أن لفظة «الحرب» () كانت ولا تزال تطلق على القتال الذي يشب لهيبه وتستعر ناره بين الرجال والأحزاب والشعوب لمآرب شخصية وأغراض ذاتية.
والغايات التي ترمي إليها أمثال هذه الحروب لا تعدو أن تكون مجرد أغراض شخصية أو اجتماعية ، لا تكون
فيها رائحة لفكرة أو انتصار لمبدأ. وبما أن القتال المشروع في الإسلام ليس من قبيل هذه الحروب ، لم يكن له بد من ترك هذه اللفظة (الحرب) البتة. فإن الإسلام لا ينظر إلى مصلح أمة دون أمة ، ولا يقصد إلى النهوض بشعب دون شعب وكذلك لا يهمه في قليل ولا كثير أن تملك الأرض وتستولي عليها هذه المملكة أو تلك وإنما تهمه سعادة البشر وفلاحهم. وله فكرة خاصة ومنهاج عملي مختار لسعادة المجتمع البشري والصعود به إلى معارج الفلاح. فكل حكومة مؤسسة على فكرة غير هذه الفكرة ، ومنهاج غير هذا المنهاج ، يقاومها الإسلام ، ويريد أن يقضي عليها قضاء مبرما ولا يعنيه في شيء بهذا الصدد أمر البلاد التي قامت فيها تلك الحكومة غير المرضية ، أو الأمة التي ينتمي إليها القائمون بأمرها. فإن غايته استعلاء فكرته ، وتعميم منهاجه ، وإقامة الحكومات وتوطيد دعائمها على أساس هذه الفكرة وهذا المنهاج ، بصرف النظر عمن يحمل لواء الحق والعدل بيده ومن تنتكس راية عدوانه وفساده! والإسلام يتطلب «الأرض» ، ولا يقنع بقطعة أو جزء منها وإنما يتطلب ويستدعي المعمورة الأرضية كلها. ولا يتطلبها لتستولي عليها وتستبد بمنابع ثروتها أمة بعينها بعد ما تنتزع من أمة أو أمم شتى ، بل يتطلبها الإسلام ويستدعيها ليتمتع الجنس البشري بأجمعه بفكرة السعادة البشرية ومنهاجها العملي اللذين أكرمه اللّه بهما ، وفضله بهما على سائر الأديان والشرائع. وتحقيقا لهذه الغاية السامية يريد الإسلام أن يستخدم جميع القوى والوسائل التي يمكن استخدامها لإحداث انقلاب علمي شامل ويبذل الجهد المستطاع للوصول إلى هذه الغاية العظمى ويسمي هذا الكفاح المستمر ، واستنفاد القوى البالغ واستخدام شتى الوسائل المستطاعة «بالجهاد». فالجهاد كلمة جامعة تشتمل جميع أنواع السعي وبذل الجهد.
وإذا عرفت هذا فلا تعجب إذا قلت : إن تغيير وجهات أنظار الناس وتبديل ميولهم ونزعاتهم ، وإحداث انقلاب عقلي وفكري بواسطة مرهفات الأقلام نوع من أنواع الجهاد ، كما أن القضاء على نظم الحياة العتيقة الجائرة بحد السيوف ، وتأسيس نظام جديد على قواعد العدل والنصفة أيضا من أصناف الجهاد. وكذلك بذل الأموال ، وتحمل المشاق ، ومكابدة الشدائد أيضا فصول وأبواب مهمة من كتاب «الجهاد» العظيم.
«لكن الجهاد الإسلامي ليس بجهاد لا غاية له وإنما هو الجهاد في سبيل اللّه وقد لزمه هذا الشرط لا ينفك عنه أبدا. وذلك أيضا من الكلمات التي اصطلح عليها الإسلام لتبيين فكرته وإيضاح تعاليمه ، كما أشرت إليه آنفا. وقد انخدع كثير من الناس بمدلوله اللغوي الظاهر ، وحسبوا أن إخضاع الناس لعقيدة الإسلام وإكراههم على قبولها هو «الجهاد في سبيل اللّه» وذلك أن ضيق صدورهم وعدم اتساع مجال تفكيرهم يعوقهم أن يسموا بأنفسهم فوق ذلك ويحلقوا في سماء أوسع من سمائهم. لكن الحق أن «سبيل اللّه» في المصطلح الإسلامي أرحب وأوسع بكثير مما يتصورون ، وأسمى غاية وأبعد مراما مما يظنون ويزعمون ..
« فالذي يتطلبه الإسلام أنه إذا قام رجل ، أو جماعة من المسلمين ، تبذل جهودها ، وتستنفد مساعيها للقضاء على النظم البالية الباطلة ، وتكوين نظام جديد حسب الفكرة الإسلامية ، فعليها أن تكون مجردة عن كل غرض ، مبرأة من كل هوى أو نزعة شخصية ، لا تقصد من وراء جهودها ، وما تبذل في سبيل غايتها من النفوس والنفائس إلا تأسيس نظام عادل يقوم بالقسط والحق بين الناس ، ولا تبتغي بها بدلا في هذه الحياة الفانية ، ولا يكون من هم الإنسان خلال هذا الكفاح المستمر والجهاد المتواصل لإعلاء كلمة اللّه أن ينال جاها وشرفا أو سمعة وحسن أحدوثة ، ولا يخطرن بباله أثناء هذه الجهود البالغة والمساعي الغالية أن يسمو بنفسه وعشيرته ، ويستبد بزمام الأمر ، ويتبوأ منصب الطواغيت الفجرة ، بعد ما يعزل غيره من الجبابرة المستكبرين عن مناصبهم. وها هو ذا القرآن الكريم ينادي بملء صوته : «الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ» ... (النساء : 76) ... «وقد تضمنت الآية الكريمة : «يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» ... (البقرة : 21) «لباب هذه الدعوة ، دعوة الإسلام الانقلابية ، وجوهرها. فإنه لا يخاطب سكان هذه الكرة باسم العمال ، أو الفلاحين ، أو الملاكين ، أو المتمولين من أصحاب المعامل والمصانع ، ولا يسميهم بأسماء أحزابهم وطبقاتهم.
وإنما يخاطب الإسلام بني آدم كافة. ولا يناديهم كذلك إلا بصفة كونهم أفراد الجنس البشري ، فهو يأمرهم أن يعبدوا اللّه وحده ولا يشركوا به شيئا ، ولا يتخذوا إلها ولا ربا غيره. وكذلك يدعوهم ألا يعتوا عن أمر ربهم ، ولا يستنكفوا عن عبادته ، ولا يتكبروا في أرض اللّه بغير الحق ، فإن الحكم والأمر للّه وحده ، وبيده مقاليد السماوات والأرض فلا يجوز لأحد من خلقه ، كائنا من كان ، أن يعلو في الأرض ويتكبر ، ويقهر الناس حتى يخضعوا له ويذعنوا لأمره وينقادوا لجبروته. ودعوته لهم جميعا أن يخلصوا دينهم للّه وحده فيكونوا سواء في هذه العبودية الشاملة ، كما ورد في التنزيل : «تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ : أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» ... (آل عمران : 64).
«فهذه دعوة إلى انقلاب عالمي شامل ، لا غموض فيها ولا إبهام. فإنه قد نادى بملء صوته :
«إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ، أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» .. (يوسف : 40) «فليس لأحد من بني آدم أن ينصب نفسه ملكا على الناس ومسيطرا عليهم ، يأمرهم بما يشاء وينهاهم عما يريد. ولا جرم أن استقلال فرد من أفراد البشر بالأمر والنهي من غير أن يكون له سلطان من الملك الأعلى ، هو تكبر في الأرض على اللّه بغير الحق ، وعتو عن أمره ، وطموح إلى مقام الألوهية . والذين يرضون أمثال هؤلاء الطواغيت لهم ملوكا وأمراء إنما يشركون باللّه ، وذلك مبعث الفساد في الأرض ، ومنه تنفجر ينابيع الشر والطغيان.
«إن دعوة الإسلام إلى التوحيد ، وعبادة اللّه الواحد ، لم تكن قضية كلامية. أو عقيدة لا هوتية فحسب.
شأن غيره من النحل والملل بل الأمر أنها كانت دعوة إلى انقلاب اجتماعي (.) أرادت في أول ما أرادت أن تقطع دابر الذين تسنموا ذروة الألوهية واستعبدوا الناس بحيلهم ومكايدهم المختلفة. فمنهم من تبوأ مناصب السدنة والكهان ومنهم من استأثر بالملك والإمرة ، وتحكم في رقاب الناس ومنهم من استبد بمنابع الثروة وخيرات الأرض وجعل الناس عالة عليهم يتكففون ولا يجدون ما يتبلغون به .. فأرادت دعوة الإسلام أن تقطع دابرهم جميعا وتستأصل شأفتهم استئصالا .. وهؤلاء تارة تسنموا قمة الألوهية جهرا وعلانية وأرادوا أن يقهروا من حولهم من الناس على أن يذعنوا لأمرهم وينقادوا لجبروتهم مستندين إلى حقوقهم التي ورثوها عن آبائهم أو استأثرت بها الطبقة التي ينتمون إليها فقالوا : «ما علمت لكم من إله غيري» .. و«أنا ربكم الأعلى» .. و«أنا أحيي وأميت» .. و«من أشد منا قوة؟» ..
إلى غيرها من كلمات الاستكبار ودعاوى الألوهية التي تفوهوا بها وتجاسروا عليها بغيا وعدوانا. وطورا استغلوا جهل الدهماء وسفههم ، فاتخذوا من الأصنام والتماثيل والهياكل آلهة ، يدعون الناس ويريدونهم على
.. فالعبرة هي بهذا القيد .. سواء كان المشرّع فردا أم جماعة أم شعبا!
أداء مظاهر العبودية أمام هذه التماثيل والهياكل متوارين بأنفسهم من ورائها ، يلعبون بعقول الناس ، ويستعبدونهم لأغراضهم وشهواتهم وهم لا يشعرون ! فيتبين من ذلك أن دعوة الإسلام إلى التوحيد ، وإخلاص العبادة للّه الواحد الأحد ، وتنديده بالكفر والشرك باللّه ، واجتناب الأوثان والطواغيت .. كل ذلك يتنافى ويتعارض مع الحكومة والعاملين عليها المتصرفين في أمورها ، والذين يجدون فيها سندا لهم ، وعونا على قضاء حاجاتهم وأغراضهم .. ومن ثم ترى أنه كلما قام نبي من الأنبياء يجاهر الناس بالدعوة ، وخاطبهم قائلا : «يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره» .. قامت في وجهه الحكومات المتمكنة في عصره ، وثار عليه جميع من كانوا يستغلون خيرات البلاد ويستثمرونها ظلما وعدوانا .. خرجت تقاومه ، وتضع في سبيل الدعوة العقبات.
وذلك أن هذه الدعوة لم تكن مجرد بيان لعقيدة كلامية ، أو شرح لمسألة من مسائل الإلهيات () وإنما كانت نداء لانقلاب اجتماعي عالمي ، ما كانت بوادره لتخفى على المستأثرين بمناصب العز والجاه ، المستبدين بمنابع الثراء ، ممن يشمون رائحة الاضطراب السياسي قبل حدوثه بأعوام! «إن الإسلام ليس بمجرد مجموعة من العقيدة الكلامية ، وجملة من المناسك والشعائر ، كما يفهم من معنى الدين في هذه الأيام. بل الحق أنه نظام شامل ، يريد أن يقضي على سائر النظم الباطلة الجائرة الجارية في العالم ، ويقطع دابرها ، ويستبدل بها نظاما صالحا ، ومنهاجا معتدلا ، يرى أنه خير للإنسانية من النظم الأخرى ، وأن فيه نجاة للجنس البشري من أدواء الشر والطغيان ، وسعادة له وفلاحا في العاجلة والآجلة معا.
« ودعوته في هذه السبيل ، سبيل الإصلاح والتجديد والهدم والبناء ، عامة للجنس البشري كافة ، لا تختص بأمة دون أمة ، أو طائفة دون طائفة. فهو يدعو بني آدم جميعا إلى كلمته حتى إنه يهيب بالطبقات الجائرة نفسها ممن اعتدوا حدود اللّه في أرضه ، واستأثروا بخيرات الأرض دون سائر الناس .. يهيب بالملوك والأمراء أنفسهم ويناديهم قائلا : لا تطغوا في الأرض ، وادخلوا في كنف حدود اللّه التي حدها لكم ، وكفوا أيديكم عما نهاكم اللّه عنه وحذركم إياه. فإن أسلمتم لأمر اللّه ، ودنتم لنظام الحق والعدل الذي أقامه للناس خيرا وبركة ، فلكم الأمن والدعة والسلامة فإن الحق لا يعادي أحدا وإنما يعادي الحق الجور ، والفساد والفحشاء ، وأن يتعدى الرجل حدوده الفطرية ، ويبتغي ما وراء ذلك ، مما لا حظ له فيه حسب سنن الكون ، وفطرة اللّه التي فطر الناس عليها.
«فكل من آمن بهذه الدعوة وتقبلها بقبول حسن ، يصير عضوا في «الجماعة الإسلامية» أو «الحزب الإسلامي» لا فرق في ذلك بين الأحمر منهم والأسود ، أو بين الغني منهم والفقير. كلهم سواسية كأسنان المشط. لا فضل لأمة على أمة. أو لطبقة على أخرى. وبذلك يتكون ذلك الحزب العالمي أو الأممي ، الذي سمي «حزب اللّه» بلسان الوحي.
«وما إن يتكون هذا الحزب حتى يبدأ بالجهاد في سبيل الغاية التي أنشئ لأجلها. فمن طبيعته ، وما يستدعيه وجوده ، أن لا يألو جهدا في القضاء على نظم الحكم التي أسس بنيانها على غير قواعد الإسلام ، واستئصال شأفتها ، وأن يستنفد مجهوده في أن يستبدل بها نظاما للعمران والاجتماع معتدلا ، مؤسسا على قواعد ذلك القانون الوسط العدل الذي يسميه القرآن الكريم : «كلمة اللّه». فإن لم يبذل هذا الحزب الجهد المستطاع ،
وهي تقيم للمغفلين من الناس والمستخفين أصناما وهياكل معنوية من نوع آخر ينطق سدنتها باسمها ويقولون : إنها تريد كذا وكذا ، فيستجيب المغفلون والمستخفون!!! ولم يسع سعيه وراء تغيير نظم الحكم وإقامة نظام الحق .. نظام الحكم المؤسس على قواعد الإسلام .. ولم يجاهد حق جهاده في هذه السبيل ، فاتته غايته. وقصر عن تحقيق البغية التي أنشئ لأجلها. فإنه ما أنشئ إلا لإدراك هذه الغاية ، وتحقيق هذه البغية .. بغية إقامة نظام الحق والعدل .. ولا غاية له ولا عمل إلا الجهاد في هذه السبيل. وهذه الغاية الوحيدة التي بينها اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله :
«كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» .. (آل عمران : 110) «ولا يظن أحد أن هذا الحزب .. «حزب اللّه» بلسان الوحي .. مجرد جماعة من الوعاظ المبشرين ، يعظون الناس في المساجد ، ويدعونهم إلى مذاهبهم ومسالكهم بالخطب والمقالات ليس إلا! ليس الأمر كذلك! وإنما هو حزب أنشأه اللّه ليحمل لواء الحق والعدل بيده ، ويكون شهيدا على الناس ومن مهمته التي ألقيت على كاهله من أول يوم أن يقضي على منابع الشر والعدوان ، ويقطع دابر الجور والفساد في الأرض والاستغلال الممقوت وأن يكبح جماح الآلهة الكاذبة ، الذين تكبروا في أرض اللّه بغير الحق وجعلوا أنفسهم أربابا من دون اللّه ويستأصل شأفة ألوهيتهم. ويقيم نظاما للحكم والعمران صالحا يتفيأ ظلاله القاصي والداني والغني والفقير .. وإلى هذا المعنى أشار اللّه تعالى في غير واحدة من آي الذكر الحكيم :
«وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ» .. (الأنفال : 38).
« إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ» .. (الأنفال : 73).
«هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» .. (التوبة : 33) «فتبين من كل ذلك أن هذا الحزب لا بد له من امتلاك ناصية الأمر ولا مندوحة له من القبض على زمام الحكم لأن نظام العمران الفاسد لا يقوم إلا على أساس حكومة مؤسسة على قواعد العدوان والفساد في الأرض وكذلك ليس من الممكن أن يقوم نظام للحكم صالح ، ويؤتي أكله ، إلا بعد ما ينتزع زمام الأمر من أيدي الطغاة المفسدين. ويأخذه بأيديهم رجال يؤمنون باللّه واليوم الآخر ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا.
« وأضف إلى ذلك أن هذا الحزب بصرف النظر عما يرمي إليه من إصلاح العالم وبث الخير والفضيلة في أنحاء الأرض كافة ، لا يقدر أن يبقى ثابتا على خطته ، متمسكا بمنهاجه ، عاملا وفق مقتضياته ما دام نظام الحكم قائما على أساس آخر ، سائرا على منهاج غير منهاجه. وذلك أن حزبا مؤمنا بمبدأ ونظام للحياة والحكم خاص ، لا يمكن أن يعيش متمسكا بمبدئه عاملا حسب مقتضاه في ظل نظام للحكم مؤسس على مبادئ وغايات غير المبادئ والغايات التي يؤمن بها ، ويريد السير على منهاجها. فإن رجلا يؤمن بمبادىء الشيوعية ، إن أراد أن يعيش في بريطانيا أو ألمانيا ، متمسكا بمبدئه ، سائرا في حياته على البر نامج الذي تقرره الشيوعية ، فلن يتمكن من ذلك أبدا ، لأن النظم التي تقررها الرأسمالية أو الناتسية تكون مهيمنة عليه ، قاهرة بما أوتيت من سلطان ، فلا يمكنه أن يتخلص من براثنها أصلا .. وكذلك إن أراد المسلم أن يقضي حياته مستظلا بنظام للحكم مناقض لمبادىء الإسلام الخالدة وبوده أن يبقى مستمسكا بمبادىء الإسلام ، سائرا وفق مقتضاه في أعماله اليومية ، فلن يتسنى له ذلك ، ولا يمكنه أن ينجح في بغيته هذه أبدا. لأن القوانين التي يراها باطلة ، والضرائب
التي يعتقدها غرما ونهبا لأموال الناس ، والقضايا التي يحسبها جائرة عن الحق وافتئاتا على العدل ، والنظم التي يعرف أنها مبعث الفساد في الأرض ، ومناهج التعليم التي يجزم بوخامة عاقبتها وسوء نتائجها ، ويرى فيها هلاكا للأمة .. يجد كل هذه مهيمنة عليه ، ومسيطرة على بيئته وأهله وأولاده ، بحيث لا يمكنه أن يتخلص من قيودها وينجو بنفسه وأهله من أثرها ونفوذها. فالذي يؤمن بعقيدة ونظام - فردا كان أو جماعة - مضطر بطبيعة عقيدته وإيمانه بها أن يسعى سعيه في القضاء على نظم الحكم القائمة على فكرة غير فكرته ، ويبذل الجهد المستطاع في إقامة نظام للحكم مستند إلى الفكرة التي يؤمن بها ويعتقد أن فيها سعادة للبشر. لأنه لا يتسنى له العمل بموجب عقيدته والسير على منهاجه إلا بهذا الطريق. وإذا رأيت رجلا لا يسعى وراء غايته ، أو يغفل عن هذا الواجب ، فاعلم أنه كاذب في دعواه. ولما يدخل الإيمان في قلبه. وبهذا المعنى ورد في التنزيل :
«عَفَا اللَّهُ عَنْكَ. لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ؟ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ .. إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ» ... (التوبة : 43 - 45).
«وأي شهادة أصدق وأي حجة أنصع من شهادة القرآن وحجته ففي هذه الآيات من سورة براءة قد نص القرآن الكريم على أن الذي لا يلبي نداء الجهاد ولا يجاهد بماله ونفسه في سبيل إعلاء كلمة اللّه ، وإقامة الدين الذي ارتضاه لنفسه ، وتوطيد نظام الحكم المبني على قواعده ، فهو في عداد الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر ، وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ...
« لعلك تبينت مما أسلفنا آنفا أن غاية () الجهاد في الإسلام ، هي هدم بنيان النظم المناقضة لمبادئه ، وإقامة حكومة مؤسسة على قواعد الإسلام في مكانها واستبدالها بها. وهذه المهمة .. مهمة إحداث انقلاب إسلامي عام. غير منحصرة في قطر دون قطر. بل مما يريده الإسلام ، ويضعه نصب عينيه أن يحدث هذا الانقلاب الشامل في جميع أنحاء المعمورة .. هذه غايته العليا ، ومقصده الأسمى الذي يطمح إليه ببصره.
إلا أنه لا مندوحة للمسلمين ، أو أعضاء «الحزب الإسلامي» عن الشروع في مهمتهم بإحداث الانقلاب المنشود ، والسعي وراء تغيير نظم الحكم في بلادهم التي يسكنونها. أما غايتهم العليا وهدفهم الأسمى فهو الانقلاب العالمي الشامل (.) المحيط بجميع أنحاء الأرض. وذلك أن فكرة انقلابية لا تؤمن بالقومية ، بل تدعو الناس جميعا إلى سعادة البشر وفلاح الناس أجمعين ، لا يمكنها أصلا أن تضيق دائرة عملها في نطاق محدود من أمة أو قطر. بل الحق أنها مضطرة بسجيتها وجبلتها أن تجعل الانقلاب العالمي غايتها التي تضعها نصب عينها ، ولا تغفل عنها طرفة عين. فإن الحق يأبى الحدود الجغرافية ، ولا يرضى أن ينحصر في حدود ضيقة اخترعها علماء الجغرافية واصطلحوا عليها. فالحق يتحدى العقول البشرية النزيهة.
ويقول لها مطالبا بحقه : ما بالكم تقولون : إن القضية الفلانية «حق» في هذا الجانب من ذاك الجبل أو النهر مثلا ، ثم تعود القضية نفسها «باطلا» - بزعمكم - إذا جاوزنا ذاك الجبل أو النهر بأذرع؟! الحق حق في كل حال وفي كل مكان! وأي تأثير للجبال والأنهار في تغيير حقيقته المعنوية؟! الحق ظله وارف ، وخيره عام شامل ، لا يختص ببيئة دون بيئة ، ولا قطر دون قطر. فأينما وجد «الإنسان» مقهورا فالحق من واجبه أن يدركه ويأخذ بحقه وينتصر له. ومهما أصيبت «الإنسانية» في أبنائها المستضعفين ، فعلى العدل ومبادئه والحاملين للوائه أن يلبوا نداءها ، ويأخذوا بناصرهم حتى ينتصروا لهم من أعدائهم الجائرين ، ويستردوا لهم حقوقهم المغصوبة التي استبد بها الطغاة بغيا وعدوانا. وبهذا المعنى نطق لسان الوحي ، حيث ورد في التنزيل :
«وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ، الَّذِينَ يَقُولُونَ : رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها» ... (النساء : 75) «وزد على ذلك أن الأواصر البشرية والعلاقات الإنسانية - على ما أثرت فيها الفوارق القومية والوطنية ، وأحدثت فيها من نزعات الشتات والاختلاف - قد تشتمل على تلاؤم شامل ، وتجانس عام بين أجزائها ، ربما يتعذر معه أن تسير مملكة في قطر بعينه بحسب مبادئها وخططها المرسومة المستبينة ، ما دامت الأقطار المجاورة لها لا توافقها على مبادئها وخطتها ، ولا ترضى بالسير وفق منهاجها وبرنامجها . من أجل ذلك وجب على الحزب المسلم ، حفظا لكيانه ، وابتغاء للإصلاح المنشود ، ألا يقنع بإقامة نظام الحكم الإسلامي في قطر واحد بعينه. بل من واجبه الذي لا مناص له منه بحال من الأحوال ، ألا يدخر جهدا في توسيع نطاق هذا النظام وبسط نفوذه في مختلف أرجاء الأرض. ذلك بأن يسعى الحزب الإسلامي ، في جانب ، وراء نشر الفكرة الإسلامية ، وتعميم نظرياتها الكاملة ونشرها في أقصى الأرض وأدناها ويدعو سكان المعمورة - على اختلاف بلادهم وأجناسهم وطبقاتهم أن يتلقوا هذه الدعوة بالقبول ، ويدينوا بهذا المنهاج الذي يضمن لهم السعادتين ، سعادتي الدنيا والآخرة .. وبجانب آخر ، يشمر عن ساق الجد ، ويقاوم النظم الجائرة المناقضة لقواعد الحق والعدل بالقوة ، إذا استطاع ذلك وأعد له عدته ، ويقيم مكانها نظام العدل والنصفة ، المؤسس على قواعد الإسلام ومبادئه الخالدة التي لا تبلى ، ولن تبلى جدتها على مرور الأيام والليالي.
« هذه هي الخطة التي سلكها. وهذا هو المنهاج الذي انتهجه النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - ومن جاء بعده ، وسار بسيرته من الخلفاء الراشدين ، فإنهم بدأوا ببلاد العرب. ثم أشرقت شمس الإسلام من آفاقها. وأخضعوها أولا لحكم الإسلام ، وأدخلوها في كنف المملكة الإسلامية الجديدة. ثم دعا النبي - صلى اللّه عليه وسلم - الملوك والأمراء والرؤساء في مختلف بقاع الأرض إلى دين الحق والإذعان لأمر اللّه. فالذين آمنوا بهذه الدعوة انضموا إلى هذه المملكة الإسلامية وأصبحوا من أهلها ، والذين لم يلبوا دعوتها ولم يتقبلوها بقبول حسن شرع في قتالهم وجهادهم .. ولما استخلف أبوبكر رضي اللّه عنه ، بعد وفاته - صلى اللّه عليه وسلم - والتحاقه بالرفيق الأعلى ، حمل على المملكتين المجاورتين للمملكة الإسلامية .. مملكتي الروم والفرس. اللتين بلغ من عتوهما وتماديهما في الغي والاستكبار في الأرض ما طبقت شهرته الآفاق. وبلغت هذه الحملات التي بدأ بها الصديق - رضي اللّه عنه - غايتها في عصر الفاروق الذي يرجع إليه الفضل العظيم في توطيد دعائم المملكة الإسلامية الأولى ، حتى شمل ظلها الوارف تلك الأقطار جميعا » ... (انتهت المقتطفات).
.
مجرد عدوى من الروح الامبراطورية السائدة في الأرض في ذلك الزمان كما يزعم بعض المستشرقين والمتأثرين بمزاعمهم! فما كان هذا الدين الذي جاء ليبدل واقع الأرض وتصوراتها ليأخذ «العدوى» من واقع الأرض وتصوراتها! وما كان رسول اللّه ليخدع عن حقيقة دين اللّه بهذه العدوى! على ضوء هذا البيان لطبيعة هذا الدين وحقيقته ، ولطبيعة الجهاد فيه وقيمته ، ولمنهج هذا الدين وخطته الحركية في الجهاد ومراحله .. نستطيع أن نمضي في تقييم غزوة بدر الكبرى ، التي قال اللّه سبحانه عن يومها إنه «يوم الفرقان» .. وأن نمضي كذلك في التعرف إلى سورة الأنفال ، التي نزلت في هذه الغزوة ، على وجه الإجمال.
لم تكن غزوة بدر الكبرى هي أولى حركات الجهاد الإسلامي - كما بينا من قبل - فقد سبقتها عدة سرايا ، لم يقع قتال إلا في واحدة منها ، هي سرية عبد اللّه بن جحش في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من هجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة .. وكانت كلها تمشيا مع القاعدة التي يقوم عليها الجهاد في الإسلام.
والتي أسلفت الحديث عنها من قبل .. نعم إنها كلها كانت موجهة إلى قريش التي أخرجت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وللمسلمين الكرام ولم تحفظ حرمة البيت الحرام المحرمة في الجاهلية وفي الإسلام! ولكن هذا ليس الأصل في انطلاقة الجهاد الإسلامي. إنما الأصل هو إعلان الإسلام العام بتحرير الإنسان من العبودية لغير اللّه وبتقرير ألوهية اللّه في الأرض وتحطيم الطواغيت التي تعبد الناس ، وإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية للّه وحده .. وقريش كانت هي الطاغوت المباشر الذي يحول بين الناس في الجزيرة وبين التوجه إلى عبادة اللّه وحده والدخول في سلطانه وحده. فلم يكن بد أن يناجز الإسلام هذا الطاغوت ، تمشيا مع خطته العامة وانتصافا في الوقت ذاته من الظلم والطغيان اللذين وقعا بالفعل على المسلمين الكرام ووقاية كذلك لدار الإسلام في المدينة من الغزو والعدوان .. وإن كان ينبغي دائما ونحن نقرر هذه الأسباب المحلية القريبة أن نتذكر - ولا ننسى - طبيعة هذا الدين نفسه وخطته التي تحتمها طبيعته هذه. وهي ألا يترك في الأرض طاغوتا يغتصب سلطان اللّه ويعبد الناس لغير ألوهيته وشرعه بحال من الأحوال! أما أحداث هذه الغزوة الكبرى فنجملها هنا قبل استعراض سورة الأنفال التي نزلت فيها ، ذلك لنتنسم الجو الذي نزلت فيه السورة وندرك مرامي النصوص فيها وواقعيتها في مواجهة الأحداث من ناحية وتوجيهها للأحداث من الناحية الأخرى .. ذلك أن النصوص القرآنية لا تدرك حق إدراكها بالتعامل مع مدلولاتها البيانية واللغوية فحسب!! إنما تدرك أولا وقبل كل شيء بالحياة في جوها التاريخي الحركي وفي واقعيتها الإيجابية وتعاملها مع الواقع الحي. وهي - وإن كانت أبعد مدى وأبقى أثرا من الواقع التاريخي الذي جاءت تواجهه - لا تتكشف عن هذا المدى البعيد إلا في ضوء ذلك الواقع التاريخي ..
ثم يبقى لها إيحاؤها الدائم ، وفاعليتها المستمرة ، ولكن بالنسبة للذين يتحركون بهذا الدين وحدهم ويزاولون منه شبه ما كان يزاوله الذين تنزلت هذه النصوص عليهم أول مرة ويواجهون من الظروف والأحوال شبه ما كان هؤلاء يواجهون! ولن تتكشف أسرار هذا القرآن قط للقاعدين ، الذين يعالجون نصوصه في ضوء مدلولاتها اللغوية والبيانية فحسب .. وهم قاعدون! ..
قال ابن إسحاق : ثم إن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة ، فيها أموال لقريش ، وتجارة من تجاراتهم. وفيها ثلاثون رجلا من قريش أو أربعون ..
قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن مسلم الزهري ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد اللّه بن أبي بكر ، ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير. وغيرهم من علمائنا ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما .. كل قد
وكذلك رواها باختصار الإمام ابن قيم الجوزية في «زاد المعاد» والإمام ابن حزم في «جوامع السيرة» وقد استقينا من جميعها حدثني بعض الحديث ، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر ، قالوا : لما سمع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم ، وقال : «هذه عير قريش فيها أموالهم ، فاخرجوا إليها لعل اللّه ينفلكموها» فانتدب الناس ، فخف بعضهم وثقل بعضهم ، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يلقى حربا (و في زاد المعاد وإمتاع الأسماع أنه صلى اللّه عليه وسلم أمر من كان ظهره - أي ما يركبه - حاضرا بالنهوض ، ولم يحتفل لها احتفالا كبيرا) .. وقال ابن القيم : «وجملة من حضر بدرا من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا : من المهاجرين ستة وثمانون.
ومن الأوس واحد وستون. ومن الخزرج مائة وسبعون. وإنما قل عدد الأوس عن الخزرج ، وإن كانوا أشد منهم وأقوى شوكة وأصبر عند اللقاء ، لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة ، وجاء النفير بغتة ، وقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لا يتبعنا إلا من كان ظهره حاضرا. فاستأذنه رجال ظهورهم كانت في علو المدينة أن يستأني بهم حتى يذهبوا إلى ظهورهم ، فأبى. ولم يكن عزمهم على اللقاء ، ولا أعدوا له عدة ، ولا تأهبوا له أهبة. ولكن جمع اللّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد».
وكان أبو سفيان - حين دنا من الحجاز - يتحسس الأخبار ، ويسأل من لقي من الركبان ، تخوفا على أمر الناس (أي على أموالهم التي معه في القافلة) حتى أصاب خبرا من بعض الركبان : أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك. فحذر عند ذلك. فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري ، فبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لنا في أصحابه. فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة.
قال المقريزي في «إمتاع الأسماع» : فلم يرع أهل مكة إلا وضمضم يقول : يا معشر قريش ، يا آل لؤي ابن غالب ، اللطيمة (و هي العير التي تحمل الطيب والمسك والثياب وليس فيما تحمله طعام يؤكل) قد عرض لها محمد في أصحابه. الغوث الغوث. واللّه ما أرى أن تدركوها! وقد جدّع أذني بعيره ، وشق قميصه وحول رحله.
فلم تملك قريش من أمرها شيئا حتى نفروا على الصعب والذلول ، وتجهزوا في ثلاثة أيام. وقيل في يومين.
وأعان قويهم ضعيفهم. وقام سهيل بن عمرو ، وزمعة بن الأسود ، وطعيمة بن عدي ، وحنظلة بن أبي سفيان ، وعمرو بن أبي سفيان ، يحضون الناس على الخروج. فقال سهيل : يا آل غالب ، أتاركون أنتم محمدا والصباة (أي المرتدين ، يقصد المسلمين!) من أهل يثرب يأخذون عيراتكم وأموالكم؟ من أراد مالا فهذا مال ، ومن أراد قوة فهذه قوة. فمدحه أمية بن أبي الصلت بأبيات! ومشى نوفل بن معاوية الديلي إلى أهل القوة من قريش فكلمهم في بذل النفقة والحملان (أي ما يحمل عليه من الدواب ، يقال فيما يكون هبة خاصة) لمن خرج. فقال عبد اللّه بن أبي ربيعة : هذه خمسمائة دينار فضعها حيث رأيت. وأخذ من حويطب بن عبد العزى مائتي دينار وثلاث مائة دينار قوى بها في السلاح والظهر ، وحمل طعيمة بن عدي على عشرين بعيرا ، وقواهم وخلفهم في أهلهم بمعونة. وكان لا يتخلف أحدا من قريش إلا بعث مكانه بعيثا. ومشوا إلى أبي لهب فأبى أن يخرج أو يبعث أحدا ، ويقال : إنه بعث مكانه العاصي ، ابن هشام بن المغيرة - وكان له عليه دين - فقال : اخرج ، وديني لك. فخرج عنه! ... وأخذ عداس (و هو الغلام النصراني الذي أرسله عتبة وشيبة ابنا ربيعة بقطف من العنب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم خرج إلى الطائف فرده أهله ردا قبيحا ، وأتبعوه السفهاء والصبية يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين ، فلجأ منهم إلى بستان عتبة وشيبة. وقد وقع في نفس عداس ما وقع من أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأكب على يديه وقدميه يقبلهما!) يخذل شيبة
وعتبة ابني ربيعة عن الخروج ، والعاص بن منبه بن الحجاج. وأبى أمية بن خلف أن يخرج ، فأتاه عقبة بن أبي معيط وأبو جهل فعنفاه. فقال ابتاعوا لي أفضل بعير في الوادي! فابتاعوا له جملا بثلاث مائة درهم من نعم بني قشير ، فغنمه المسلمون! .. وما كان أحد منهم أكره للخروج من الحارث بن عامر. ورأى ضمضم بن عمرو أن وادي مكة يسيل دما من أسفله وأعلاه. ورأت عاتكة بنت عبد المطلب رؤياها (و فيها نذير لقريش بالقتل والدم في كل بيت) ... فكره أهل الرأي المسير ، ومشى بعضهم إلى بعض ، فكان من أبطئهم عن ذلك الحارث بن عامر ، وأمية بن خلف ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وحكيم بن حزام ، وأبو البختري (ابن هشام) وعلى بن أمية بن خلف ، والعاص بن منبه حتى بكتهم أبو جهل ، وأعانه عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث بن كلدة ، فاجمعوا المسير .. وخرجت قريش بالقيان والدفاف يغنين في كل منهل ، وينحرون الجزر ، وهم تسعمائة وخمسون مقاتلا .. وقادوا مائة فرس ، عليها مائة دارع سوى دروع المشاة. وكانت إبلهم سبعمائة بعير. وهم كما ذكر اللّه تعالى عنهم بقوله : «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» .. (الأنفال : 47).
وأقبلوا في تجمل عظيم وحنق زائد على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأصحابه ، لما يريدون من أخذ عيرهم ، وقد أصابوا من قبل عمرو بن الحضرمي والعير التي كانت معه (في سرية عبد اللّه بن جحش) ..
وأقبل أبو سفيان بالعيرو معها سبعون رجلا (في رواية ابن إسحاق ثلاثون رجلا) منهم مخرمة بن نوفل ، وعمرو ابن العاص ، فكانت عيرهم ألف بعير تحمل المال. وقد خافوا خوفا شديدا حين دنوا من المدينة ، واستبطأوا ضمضم بن عمرو والنفير (الذين نفروا من قريش ليمنعوا عيرهم) .. فأصبح أبو سفيان ببدر وقد تقدم العير وهو خائف من الرصد. فضرب وجه عيره ، فساحل بها (أي اتجه إلى ساحل البحر بعيدا عن طريق المدينة) وترك بدرا يسارا ، وانطلق سريعا .. وأقبلت قريش من مكة ينزلون كل منهل. يطعمون الطعام من أتاهم وينحرون الجزر .. وأتاهم قيس بن امرئ القيس من أبي سفيان يأمرهم بالرجوع ، ويخبرهم أن قد نجت عيرهم. فلا تجزروا أنفسكم أهل يثرب (يعني لا تعرضوا أنفسكم لأن يذبحكم أهل يثرب) فلا حاجة لكم فيما وراء ذلك.
إنما خرجتم لتمنعوا العير وأموالكم ، وقد نجاها اللّه! فعالج قريشا فأبت الرجوع (من الجحفة). وقال أبو جهل : لا واللّه لا نرجع حتى نرد بدرا ، فنقيم ثلاثا ، ننحر الجزر ، ونطعم الطعام ، ونشرب الخمر ، وتعزف القيان علينا فلن تزال العرب تهابنا أبدا .. وعاد قيس إلى أبي سفيان ، فأخبره بمضى قريش. فقال : وا قوماه! هذا عمل عمرو بن هشام (يعني أبا جهل) كره أن يرجع لأنه ترأس على الناس فبغى ، والبغي منقصة وشؤم.
إن أصاب محمد النفير ذللنا ..
قال ابن إسحاق : وقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي ، وكان حليفا لبني زهرة ، وهم بالجحفة يا بني زهرة قد نجى اللّه لكم أموالكم ، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل. وإنما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بي جبنها ، وارجعوا ، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة. لا ما يقول هذا (يعني أبا جهل) فرجعوا ، فلم يشهدها زهري واحد .. ولم يكن بقي من قريش بطن إلا وقد نفر منهم ناس ، إلا بني عدي ابن كعب ، لم يخرج منهم رجل واحد (في إمتاع الأسماع أن طعمة بن عدي حمل على عشرين بعيرا ، وقواهم وخلفهم في أهلهم بمعونة) .. وكان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة.
فقالوا : واللّه لقد عرفنا يا بني هاشم ، وإن خرجتم معنا ، إن هواكم لمع محمد. فرجع طالب إلى مكة مع من رجع!قال ابن إسحاق : وخرج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه.
وكانت إبل أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يومئذ سبعين بعيرا فاعتقبوها (أي كانو يركبونها بالتعاقب) فكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وعلي بن أبي طالب ، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا. وكان حمزة بن عبد المطلب ، وزيد بن حارثة ، وأبو كبشة وأنسة موليا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يعتقبون بعيرا. وكان أبوبكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا ..
قال المقريزي في إمتاع الأسماع : ومضى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حتى إذا كان دون بدر أتاه الخبر بمسير قريش. فاستشار الناس ، فقام أبو بكر - رضي اللّه عنه - فقال فأحسن. ثم قام عمر فقال فأحسن. ثم قال : يا رسول اللّه ، إنها واللّه قريش وعزها ، واللّه ما ذلت منذ عزت ، واللّه ما آمنت منذ كفرت ، واللّه لا تسلم عزها أبدا ، ولتقاتلنك ، فأتهب لذلك أهبته ، وأعد لذلك عدته. ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول اللّه ، امض لأمر اللّه ، فنحن معك ، واللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها : «فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ».
ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا معكما مقاتلون. والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا» (و برك الغماد موضع بأقصى اليمن) فقال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - خيرا ودعا له بخير .. ثم قال : «أشيروا علي أيها الناس». وإنما يريد الأنصار .. وكان يظنهم لا ينصرونه إلا في الدار ، لأنهم شرطوا له أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأولادهم (و ذلك في بيعة العقبة الثانية التي هاجر على أساسها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى المدينة) فقام سعد بن معاذ - رضي اللّه عنه - فقال : أنا أجيب عن الأنصار ، كأنك يا رسول اللّه تريدنا! قال : «أجل». قال : إنك عسى أن تكون قد خرجت عن أمر قد أوحي إليك في غيره (يعني كما يبدو أنك ربما تكون قد خرجت لأمر ثم أوحي إليك في غيره إذ كان قد خرج للعير ثم عرض النفير) ، فإنا قد آمنا بك ، وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به حق ، فأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة. فامض يا نبي اللّه لما أردت. فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منا رجل. وصل من شئت ، واقطع من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما تركت. والذي نفسي بيده ما سلكت هذا الطريق قط ، وما لي بها من علم وما نكره أن نلقى عدونا غدا ، وإنا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، لعل اللّه يريك منا بعض ما تقر به عيناك ..
وفي رواية أن سعد بن معاذ قال : إنا خلفنا من قومنا قوما ما نحن بأشد حبا لك منهم ، ولا أطوع لك منهم ولكن إنما ظنوا أنها العير. نبني لك عريشا فتكون فيه ، ونعد عندك رواحلك ، ثم نلقى عدونا ، فإن أعزنا اللّه وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببناه ، وإن تكن الأخرى جلست على رواحلك فلحقت من وراءنا ..
فقال له النبي - صلى اللّه عليه وسلم - خيرا. وقال : «أو يقضي اللّه خيرا من ذلك يا سعد». فلما فرغ سعد من المشورة قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : «سيروا على بركة اللّه ، فإن اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين.
واللّه لكأني أنظر إلى مصارع القوم» .. فعلم القوم أنهم إنما يلاقون القتال وأن العير تفلت ورجوا النصر لقول النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ومن يومئذ عقد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الألوية. وهي ثلاثة ، لواء يحمله مصعب بن عمير. ورايتان سوداوان. إحداهما مع علي ، والأخرى مع رجل من الأنصار (هو سعد بن معاذ) وأظهر السلاح .. وكان خرج من المدينة على غير لواء معقود.
... ونزل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أدنى بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشر مضت من رمضان ،
فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو رضي اللّه عنهم يتحسسون على الماء. وأشار لهم إلى ظريب (تصغير ظرب وهو الجبل الصغير المنبسط في حجارة دقاق) وقال : أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب الذي يلي الظرب. فوجدوا على تلك القليب روايا قريش فيها سقاؤهم (الروايا من الإبل حوامل الماء وسقاء جمع سقاء) فأفلت عامتهم - وفيهم عجير - فجاء قريشا ، فقال : يا آل غالب ، هذا ابن أبي كبشة (يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم) وأصحابه قد أخذوا سقاءكم. فماج العسكر وكرهوا ذلك ، والسماء تمطر عليهم. وأخذ تلك الليلة أبو يسار غلام عبيدة بن سعيد بن العاص ، وأسلم غلام منبه بن الحجاج ، وأبو رافع غلام أمية بن خلف ، فأتي بهم النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وهو يصلي. فقالوا : نحن سقاء قريش بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهم فضربوهم. فقالوا : نحن لأبي سفيان ، ونحن في العير! فأمسكوا عنهم! فسلم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقال : «إن صدقوكم ضربتموهم ، وإن كذبوكم تركتموهم!» ثم أقبل عليهم يسألهم ، فأخبروه أن قريشا خلف هذا الكثيب ، وأنهم ينحرون يوما عشرا ويوما تسعا ، وأعلموه بمن خرج من مكة. فقال صلى اللّه عليه وسلم : القوم ما بين الألف والتسعمائة. وقال : «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها».
واستشار أصحابه في المنزل ، فقال الحباب بن المنذر بن الجموح .. انطلق بنا إلى أدنى بئر إلى القوم.
فإني عالم بها وبقلبها. بها قليب (أي بئر قديمة لا يعلم من حفرها) قد عرفت عذوبة مائه ، وماء كثير لا ينزح.
ثم نبني عليها حوضا ، ونقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل ونعور ما سواها من القلب. فقال : يا حباب أشرت بالرأي (و في رواية ابن هشام عن ابن إسحاق أن الحباب بن المنذر قال : يا رسول اللّه ، هذا المنزل أمنزلا أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال : «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» قال : يا رسول اللّه ، هذا ليس بمنزل .. ثم أشار بما أشار) ونهض رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فنزل على القليب ببدر. وبات تلك الليلة يصلي إلى جذم شجرة (أي ما بقي من جذعها بعد قطع أعلاه).
وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان. وفعل ما أشار به الحباب .. وبعث اللّه السماء ، فأصاب المسلمين ما لبد الأرض ولم يمنع من السير. وأصاب قريشا من ذلك ما لم يقدروا أن يرتحلوا منه. وإنما بينهم قوز من رمل. وكان مجيء المطر نعمة وقوة للمؤمنين ، وبلاء ونقمة على المشركين. وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس ألقي عليهم. فناموا ، حتى إن أحدهم تكون ذقنه بين ثدييه وما يشعر حتى يقع على جنبه. واحتلم رفاعة ابن رافع بن مالك حتى اغتسل آخر الليل .. وبعث - صلى اللّه عليه وسلم - عمار بن ياسر وعبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنهما - فأطافا بالقوم ، ثم رجعا فأخبراه أن القوم مذعورون ، وأن السماء تسح عليهم.
وبني لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لما نزل على القليب - عريش من جريد. وقام سعد بن معاذ على بابه متوشح السيف. ومشى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على موضع الوقعة ، وعرض على أصحابه مصارع رؤوس الكفر من قريش مصرعا مصرعا ، يقول : هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان .. فما عدا واحد منهم مضجعه الذي حدّ له الرسول. وعدل صلى اللّه عليه وسلم الصفوف. ورجع إلى العريش فدخل - صلى اللّه عليه وسلم - وأبوبكر رضي اللّه عنه.
قال ابن إسحاق : وقد ارتحلت قريش حتى أصبحت فأقبلت. فلما رآها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - تصوّب من العقنقل (و هو الكثيب الذي جاءوا منه) إلى الوادي ، قال : «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك ، وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحنهم الغداة». وقد قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر ، فقال : «إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر ، إن يطيعوه يرشدوا».
«وقد كان خفاف بن أيماء بن رحضة الغفاري - أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري - بعث إلى قريش - حين مروا به - ابنا له بجزائر (أي ذبائح) أهداها لهم. وقال : إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا.
قال : فأرسلوا إليه مع ابنه أن وصلتك رحم. قد قضيت الذي عليك. فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم ، ولئن كنا إنما نقاتل اللّه ، كما يزعم محمد ، فما لأحد باللّه من طاقة.
فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فيهم حكيم ابن حزام. فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - «دعوهم». فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل. إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل. ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه. فكان إذا اجتهد في يمينه قال : لا والذي نجاني من يوم بدر! قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم ، عن أشياخ من الأنصار قالوا :
لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي ، فقالوا : احزر لنا أصحاب محمد (صلى اللّه عليه وسلم) قال : فاستجال بفرسه حول العسكر! ثم رجع إليهم ، فقال : ثلاث مائة رجل ، يزيدون قليلا أو ينقصون.
ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد. قال : فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا ، فرجع إليهم ، فقال : ما وجدت شيئا ، ولكني قد رأيت يا معشر قريش ، البلايا تحمل المنايا. نواضح يثرب تحمل الموت الناقع. قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، واللّه ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم ، فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم! فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة ، فقال : يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها ، هل لك إلى ألا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال : وما ذاك يا حكيم؟ قال : ترجع بالناس ، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي. قال : قد فعلت ، أنت عليّ بذلك ، إنما هو حليفي فعليّ عقله (أي دية أخيه الذي قتل في سرية عبد اللّه بن جحش كما سبق) وما أصيب من ماله. فأت ابن الحنظلية فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره. يعني أبا جهل بن هشام. ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا فقال :
يا معشر قريش ، إنكم واللّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا. واللّه لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته. فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب ، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرّضوا منه ما تريدون.
قال حكيم : فانطلقت حتى جئت أبا جهل ، فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فهو يهيئها. فقلت له : يا أبا الحكم ، إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا ، للذي قال ، فقال : انتفخ واللّه سحره (يعني انتفخت رئته من الخوف!) حين رأى محمدا وأصحابه. كلا! واللّه لا نرجع حتى يحكم اللّه بيننا وبين محمد ، وما بعتبة ما قال ، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور ، وفيهم ابنه (يعني أبا حذيفة رضي اللّه عنه وكان مسلما مع المسلمين) فقد تخوفكم عليه! ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي ، فقال : هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس. وقد رأيت ثأرك بعينك ، فقم فانشد خفرتك (أي عهدك) ومقتل أخيك! فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ، ثم صرخ : وا عمراه! فحميت الحرب ، وحقب أمر الناس (أي اشتد) واستوسقوا على ما هم عليه من الشر. فأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة. فلما بلغ عتبة قول أبي جهل : انتفخ واللّه سحره. قال : سيعلم مصفر استه (يريد أن يشبهه في الجبن كالرجل الذي يتأنث!) من انتفخ سحره؟ أنا أم هو! قال ابن إسحاق : وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي ، وكان رجلا شرسا سيئ الخلق ، فقال : أعاهد اللّه لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه. فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب - رضي اللّه عنه - فلما التقيا ضربه حمزة فأطنّ قدمه (أي أطارها) بنصف ساقه. وهو دون الحوض. فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد - زعم - أن يبر يمينه ، واتبعه حمزة ، فضربه حتى قتله في الحوض! ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة ، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة ، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة ، وهم عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء ، ورجل آخر يقال : هو عبد اللّه بن رواحة. فقالوا من أنتم؟ فقالوا : رهط من الأنصار ، قالوا : ما لنا بكم من حاجة (و قال ابن إسحاق : إن عتبة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا إليه : أكفاء كرام ، إنما نريد قومنا) ثم نادى مناديهم : يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - . «قم يا عبيدة ابن الحارث ، قم يا حمزة ، قم يا علي». فلما قاموا ودنوا منهم قالوا : من أنتم؟ قال عبيدة : عبيدة؟
وقال حمزة : حمزة! وقال علي : علي! قالوا. نعم أكفاء كرام! فبارز عبيدة ، وكان أسن القوم ، عتبة ابن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة ، وبارز علي الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله ، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله. واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه (أي جرحه جرحا لا يملك معه الحركة) وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه (أي أجهزا عليه) واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه.
قال ابن إسحاق : ثم تزاحف الناس ، ودنا بعضهم من بعض. وقد أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أصحابه ألا يحملوا حتى يأمرهم. قال : «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل» .. ثم عدل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الصفوف ورجع إلى العريش ، فدخله ومعه فيه أبوبكر ليس معه فيه غيره. ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يناشد ربه ما وعده من النصر ، ويقول فيما يقول : «اللهم إن نهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد» وأبوبكر يقول : يا نبي اللّه بعض مناشدتك ربك ، فإن اللّه منجز لك ما وعدك.
وفي إمتاع الأسماع للمقريزي : أن عبد اللّه بن رواحة قال لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يا رسول اللّه إني أشير عليك - ورسول اللّه أعظم وأعلم من أن يشار عليه - إن اللّه أجل وأعظم من أن ينشد وعده! فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يا ابن رواحة ، ألا أنشد اللّه وعده؟ إن اللّه لا يخلف الميعاد».
قال ابن إسحاق : وقد خفق رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - خفقة وهو في العريش ، ثم انتبه ، فقال : «أبشر يا أبابكر ، أتاك نصر اللّه. هذا جبريل آخذا بعنان فرس يقوده ، على ثناياه النقع» (يعني الغبار).
وقد رمي مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل ، فكان أول قتيل من المسلمين رحمة اللّه. ثم رمي حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار - وهو يشرب من الحوض - بسهم ، فأصاب نحره ، فقتل رحمة اللّه.
ثم خرج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى الناس فحرضهم وقال : «والذي نفس محمد بيده ، لا يقاتلهم اليوم رجل ، فيقتل ، صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر ، إلا أدخله اللّه الجنة». فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة ، وفي يده تمرات يأكلهن : بخ بخ (كلمة تقال للإعجاب) أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ ثم قذف التمرات من يده ، وأخذ سيفه ، فقاتل القوم حتى قتل رحمه اللّه تعالى.
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، أن عوف بن الحارث - وهو ابن عفراء - قال : يا رسول اللّه ، ما يضحك الرب من عبده؟ قال : «غمسه يده في العدو حاسرا» فنزع درعا كانت عليه ، فقذفها ، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رحمه اللّه.
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبد اللّه بن ثعلبة بن صعير العذري ، حليف بني زهرة ، أنه حدثه ، أنه لما التقى الناس ، ودنا بعضهم من بعض ، قال أبو جهل بن هشام :
اللهم ، أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف ، فأحنه الغداة! فكان هو المستفتح.
قال ابن إسحاق : ثم إن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ، ثم قال : «شاهت الوجوه!» ثم نفحهم بها. وأمر أصحابه فقال : «شدوا» فكانت الهزيمة. فقتل اللّه تعالى من قتل من صناديد قريش ، وأسر من أسر من أشرافهم ..
فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ، ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في العريش ، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - متوشحا السيف ، في نفر من الأنصار يحرسون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يخافون عليه كرّة العدو ورأى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فيما ذكر لي - في وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس فقال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : «واللّه لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم!» قال : أجل واللّه يا رسول اللّه كانت أول وقعة أوقعها اللّه بأهل الشرك.
فكان الإثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال! قال ابن إسحاق : وحدثني العباس بن عبد اللّه بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس رضي اللّه عنهما. أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال لأصحابه يومئذ : «إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله ، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فلا يقتله ، فإنه إنما أخرج مستكرها» قال : فقال أبو حذيفة (ابن عتبة بن ربيعة) : أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس؟! واللّه لئن لقيته لألحمنه السيف! قال : فبلغت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال لعمر بن الخطاب : «يا أبا حفص» قال عمر : واللّه إنه لأول يوم كناني فيه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بأبي حفص - «أيضرب وجه عم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالسيف؟» فقال عمر : يا رسول اللّه دعني فلأضرب عنقه بالسيف! فو اللّه لقد نافق! فكان أبو حذيفة يقول : ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة - فقتل يوم اليمامة (في حروب الردة) شهيدا.
قال ابن هشام : وإنما نهى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن قتل أبي البختري لأنه كان أكف القوم عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو بمكة ، وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه ، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب ... (و قد قتل لأنه رفض أن يستأسر) ...
قال ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه قال : كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة. وكان اسمي عبد عمرو ، فتسميت حين أسلمت «عبد الرحمن» ونحن بمكة. فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول : يا عبد عمرو ، أرغبت عن اسم سماكه أبواك؟ فأقول : نعم! فيقول : فإني لا أعرف الرحمن ، فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به ، أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول ، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف! قال فكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه. قال : فقلت له : يا أبا علي ، اجعل ما شئت. قال : فأنت عبد الإله.
قال : قلت : نعم. قال : فكنت إذا مررت به قال : يا عبد الإله ، فأجيبه ، فأتحدث معه. حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه علي ابن أمية آخذ بيده ومعي أدراع لي قد استلبتها فأنا أحملها.
فلما رآني قال لي : يا عبد عمرو ، فلم أجبه. فقال : يا عبد الإله ، فقلت : نعم ، قال : هل لك فيّ؟ فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك! : قال : قلت : نعم! ها اللّه إذن. قال : فطرحت الأدراع من يدي ، وأخذت بيده ويد ابنه (يعني أسيرين) وهو يقول : ما رأيت كاليوم قط! أما لكم حاجة في اللبن؟ (يعني أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن!) ثم خرجت أمشي بهما.
قال ابن إسحاق : حدثني عبد الواحد بن أبي عون ، عن سعيد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن ابن عوف - رضي اللّه عنه - قال : قال لي أمية بن خلف ، وأنا بينه وبين ابنه ، آخذ بأيديهما : يا عبد الإله ، من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قال. قلت : حمزة بن عبد المطلب. قال : ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل .. قال عبد الرحمن : فو اللّه إني لأقودهما إذ رآه بلال معي ، وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على ترك الإسلام ، فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت ، فيضجعه على ظهره ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول : لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد ، فيقول بلال : أحد. أحد. قال : فلما رآه قال : رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا! قال : قلت : أي بلال ، أبأسيري؟ قال : لا نجوت إن نجا! قال : قلت : أتسمع يا ابن السوداء؟ قال : لا نجوت إن نجا! قال : ثم صرخ بأعلى صوته : يا أنصار اللّه ، رأس الكفر أمية ابن خلف ، لا نجوت إن نجا! قالوا : فأحاطوا بنا ، حتى جعلونا في مثل المسكة (أي السوار من عاج) وأنا أذب عنه قال : فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع ، وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط. قال : فقلت : انج بنفسك ولا نجاء بك. فو اللّه ما أغني عنك شيئا. قال : فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما .. فكان عبد الرحمن يقول : يرحم اللّه بلالا ، ذهبت أدراعي. وفجعني بأسيري! قال ابن إسحاق : فلما فرغ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من عدوه أمر بابي جهل بن هشام أن يلتمس في القتلى ، وكان أول من لقي أبا جهل - كما حدثني ثور بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وعبد اللّه بن أبي بكر أيضا قد حدثني ذلك - قالا : قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة : سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة (أي الشجر الملتف) وهم يقولون : أبو الحكم لا يخلص إليه ، قال :
فلما سمعتها جعلته من شأني ، فصمدت نحوه ، فلما أمكنني حملت عليه ، فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه ، فو اللّه ما شبهتها - حين طاحت - إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها. قال :
وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي. فتعلقت بجلدة من جنبي ، وأجهضني القتال عنه ، فلقد قاتلت عامة يومي ، وإني لأسحبها خلفي ، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها.
ثم مر بأبي جهل ، وهو عقير ، معوذ ابن عفراء ، فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق ، وقاتل معوذ حتى قتل ، فمر عبد اللّه بن مسعود بأبي جهل - حين أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يلتمس في القتلى - وقد قال لهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فيما بلغني : «انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح في ركبته ، فإني ازدحمت يوما أنا وهو على مأدبة لعبد اللّه بن جدعان ، ونحن غلامان ، وكنت أشف منه بيسير ، فدفعته ، فوقع على ركبتيه ، فجحش في إحداهما جحشا لم يزل أثره به» قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه. فوجدته بآخر رمق ، فعرفته فوضعت رجلي على عنقه ، قال وقد كان خبث بي مرة بمكة فآذاني ولكزني (أي قبض عليّ ولزمني) ثم قلت له : هل أخزاك اللّه يا عدو اللّه؟ قال : وبماذا أخزاني؟ أأعمد من رجل قتلتموه (يريد أكبر من رجل قتلتموه؟) أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قال. قلت للّه ورسوله.
قال ابن إسحاق : وزعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول : قال لي : لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم. قال : ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقلت : يا رسول اللّه ، هذا رأس عدو اللّه أبي جهل. قال : فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : «اللّه الذي لا إله غيره» ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فحمد اللّه.
قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي ، أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال لسعيد بن العاص - ومر به - إني أراك كأن في نفسك شيئا. أراك تظن أني قتلت أباك! إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله ولكني قتلت خالي العاص بن هشام ابن المغيرة. فأما أبوك فإني مررت به ، وهو يبحث بحث الثور بروقه (أي بقرنه) فحدت عنه. وقصد له بن عمه علي فقتله! قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي اللّه عنها. قالت : لما أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه ، إلا ما كان من أمية بن خلف. فإنه انتفخ في درعه فملأها ، فذهبوا ليحركوه. فتزايل لحمه ، فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة ، فلما ألقاهم في القليب ، وقف عليهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : «يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا» قالت : فقال له أصحابه : يا رسول اللّه ، أتكلم قوما موتي؟ فقال لهم : «لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق» قالت عائشة : والناس يقولون :
«لقد سمعوا ما قلت لهم» وإنما قال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : «لقد علموا».
قال ابن إسحاق : ولما أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بهم أن يلقوا في القليب ، أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب ، فنظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فيما بلغني - في وجه أبي حذيفة بن عتبة ، فإذا هو كئيب قد تغير. فقال : «يا أبا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شي ء» أو كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : لا واللّه يا رسول اللّه ، ما شككت في أبي ولا في مصرعه ، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا ، فكنت أرجو أن يهديهه ذلك إلى الإسلام ، فلما رأيت ما أصابه ، وذكرت مامات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له ، أحزنني ذلك. فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخير ، وقال له خيرا ..
ثم إن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع ، فاختلف المسلمون فيه.
فقال من جمعه : هو لنا. وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه : واللّه لولا نحن ما أصبتموه ، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم. وقال الذين كانوا يحرسون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مخافة أن يخالف إليه العدو : واللّه ما أنتم بأحق به منا ، لقد رأينا المتاع حين لم يكن دونه ما يمنعه ، ولكنا خفنا على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - كرة العدو ، فقمنا دونه ، فما أنتم بأحق به منا.
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى ، عن مكحول ، عن أبي أمامة الباهلي ، قال سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال. فقال فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه اللّه من أيدينا ، فجعله إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقسمه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بين المسلمين عن بواء ، يقول : على السواء.
قال ابن إسحاق : وحدثني نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حين أقبل بالأسارى ، فرقهم في أصحابه ، وقال : استوصوا بالأسارى خيرا». فكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم ، أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه ، في الأسارى. قال : فقال أبو عزيز : مربي أخي مصعب بن عمير ، ورجل من الأنصار يأسرني ، فقال : شد يدك به ، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك. قال : وكنت في رهط من الأنصار - حين أقبلوا بي من بدر - فكانوا إذا قدموا غداءهم أو عشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر ، لوصية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إياهم بنا ، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها.
قال : فأستحيي فأردها على أحدهم ، فيردها علي ما يمسها.
قال ابن هشام : وكان أبو عزيز صاحب لواء المشركين ببدر ، بعد النضر بن الحارث ، فلما قال أخوه مصعب ابن عمير لأبي اليسر - وهو الذي أسره - ما قال ، قال له أبو عزيز : يا أخي ، هذه وصاتك بي؟ فقال له مصعب : إنه أخي دونك .. فسألت أمه عن أغلى ما فدي به قرشي ، فقيل لها : أربعة آلاف درهم ، فبعثت بأربعة آلاف درهم ، ففدته بها.
قال ابن إسحاق : ثم بعثت قريش في فداء الأسرى.
في هذه الغزوة التي أجملنا عرضها بقدر المستطاع ، نزلت سورة الأنفال .. نزلت تعرض وقائع الغزوة الظاهرة ، وتعرض وراءها فعل القدرة المدبرة ، وتكشف عن قدر اللّه وتدبيره في وقائع الغزوة ، وفيما وراءها من خط سير التاريخ البشري كله وتحدث عن هذا كله بلغة القرآن الفريدة وبأسلوب القرآن المعجز ..
وسيأتي تفصيل هذه المعاني في ثنايا استعراض النصوص القرآنية .. فأما الآن فنكتفي باستعراض الخطوط الأساسية في السورة : إن هنالك حادثا بعينه في الغزوة يلقي ضوءا على خط سيرها. ذلك هو ما رواه ابن إسحاق - عن عبادة ابن الصامت - رضي اللّه عنه ، قال :
«فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه اللّه من أيدينا ، فجعله إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقسمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - عن بواء (يقول : على السواء).
هذا الحادث يلقي ضوءا على افتتاح السورة وعلى خط سيرها كذلك :
لقد اختلفوا على الغنائم القليلة في الواقعة التي جعلها اللّه فرقانا في مجرى التاريخ البشري إلى يوم القيامة! ولقد أراد اللّه - سبحانه - أن يعلمهم ، وأن يعلم البشر كلهم من بعدهم أمورا عظاما ...
أراد أن يعلمهم ابتداء أن أمر هذه الوقعة أكبر كثيرا من أمر الغنائم التي يختلفون عليها. فسمى يومها :
«يَوْمَ الْفُرْقانِ ، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» ..
وأراد أن يعلمهم أن هذا الأمر العظيم إنما تم بتدبير اللّه وقدره ، في كل خطوة وفي كل حركة ، ليقضي من ورائه أمرا أراده ، فلم يكن لهم في هذا النصر وما وراءه من عظائم الأمور يد ولا تدبير ، وسواء غنائمه الصغيرة وآثاره الكبيرة ، فكلها من فعل اللّه وتدبيره. إنما أبلاهم فيه بلاء حسنا من فضله! وأراد أن يريهم مدى الفرق بين ما أرادوه هم لأنفسهم من الظفر بالعير وما أراده اللّه لهم ، وللبشرية كلها من ورائهم من إفلات العير ، ولقاء النفير. ليروا على مد البصر مدى ما بين إرادتهم بأنفسهم وإرادة اللّه بهم ولهم من فرق كبير! لقد بدأت السورة بتسجيل سؤالهم عن الأنفال وبيان حكم اللّه فيها وردها إلى اللّه والرسول ودعوتهم إلى تقوى اللّه ، وإصلاح ذات بينهم - بعد ما ساءت أخلاقهم في النفل كما يقول عبادة بن الصامت - ودعوتهم إلى طاعة اللّه وطاعة الرسول ، وتذكيرهم بإيمانهم وهذا مقتضاه. ورسم للمؤمنين صورة موحية تجف لها القلوب : «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ. قُلِ : الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» ..
ثم جعل يذكرهم بأمرهم وتدبيرهم لأنفسهم وتدبير اللّه لهم ، ومدى ما يرونه من واقع الأرض ومدى قدرة اللّه من ورائه ومن ورائهم : «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ. يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ ، كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ. لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ» ..
ثم ذكرهم بما أمدهم به من العون ، وما يسره لهم من النصر ، وما قدره لهم بفضله من الأجر : «إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى ، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ، وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ، وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ. إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ ، فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ ، وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ ، وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ».
وهكذا يمضي سياق السورة في هذا المجال يسجل أن المعركة بجملتها من صنع اللّه وتدبيره بقيادته وتوجيهه.
بعونه ومدده. بفعله وقدره. له وفي سبيله .. ومن ثم تجريد المقاتلين ابتداء من الأنفال وتقرير أنها للّه وللرسول ، حتى إذا ردها اللّه عليهم كان ذلك منا منه وفضلا. وكذلك يجردهم من كل مطمع فيها ومن كل مغنم ، ليكون جهادهم في سبيله خالصا له وحده .. فترد أمثال هذه النصوص : «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ، وَما رَمَيْتَ - إِذْ رَمَيْتَ - وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ، وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ».
«وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ، فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» ..
«وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ. إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى ، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ، وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا. لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا ، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ، وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ»
..
ولأن المعركة - كل معركة يخوضها المؤمنون - من صنع اللّه وتدبيره. بقيادته وتوجيهه. بعونه ومدده.
بفعله وقدره. له وفي سبيله. تتكرر الدعوة في السورة إلى الثبات فيها ، والمضي معها ، والاستعداد لها ، والاطمئنان إلى تولي اللّه فيها ، والحذر من المعوقات عنها من فتنة الأموال والأولاد ، والاستمساك بآدابها ، وعدم الخروج لها بطرا ورئاء الناس. ويؤمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بتحريض المؤمنين عليها .. وترد أمثال هذه النصوص في بيان هذه المعاني :
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ - إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ - فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ».
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ، وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» ..
«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ، وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ» ..
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ..» ..
وفي ذات الوقت الذي تتكرر الأوامر بالتثبيت في المعركة يتجه السياق إلى توضيح معالم العقيدة وتعميقها ورد كل أمر وكل حكم وكل توجيه إليها. فلا تبقى الأوامر معلقة في الفراغ ، إنما ترتكز على ذلك الأصل الواضح الثابت العميق : «أ» في مسألة الأنفال يردون إلى تقوى اللّه ، والوجل عند ذكره ، وتعلق الإيمان بطاعة اللّه وطاعة رسوله :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ. قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» ... «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ».
«ب» وفي خطة المعركة يردون إلى قدر اللّه وتدبيره ، وتصريفه لمراحلها جميعا : «إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى ، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ، وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ..».
«ج» وفي أحداثها ونتائجها يردون إلى قيادة اللّه لها ، ومدده وعونه فيها : «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ، وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً ...» ..
«د» وفي الأمر بالثبات فيها يردون إلى ما يريده اللّه لهم بها من حياة ، وإلى قدرته على الحيلولة بينهم وبين قلوبهم ، وإلى تكفله بنصر من يتوكل عليه : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» .. «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» ..
« ه» وفي تحديد الهدف من وراء المعركة يقرر : «وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ» ..
«ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ» .. «وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ» ..
«و» وفي تنظيم العلاقات في المجتمع المسلم وبينه وبين غيره من المجتمعات الأخرى تبرز العقيدة قاعدة للتجمع وللتميز ، وتجعل القيم العقيدية هي التي تقدم في الصف أو تؤخر : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ، وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ - إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..
ويبرز في سياق السورة بصفة خاصة - إلى جانب خط العقيدة - خط آخر هو خط الجهاد ، وبيان قيمته الإيمانية والحركية. وتجريده كذلك من كل شائبة شخصية وإعطاؤه مبرراته الذاتية العليا التي ينطلق بها المجاهدون في ثقة وطمأنينة واستعلاء إلى آخر الزمان .. والسورة بجملتها تتضمن هذا الإيحاء. فنكتفي ببعض النصوص في هذا التعريف ، وندع تفصيلها إلى موضعه عند مواجهة النصوص : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ».
«إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، وَهُمْ لا يَتَّقُونَ. فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ».
«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ، وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ» ..
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» ..
« ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ. وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» ..
«وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» ..
وأخيرا فإن السورة تنظم ارتباطات الجماعة المسلمة على أساس العقيدة كما أسلفنا وبيان الأحكام التي تتعامل بها مع غيرها من الجماعات الأخرى في الحرب والسلم - إلى هذه الفترة التي نزلت فيها السورة - وأحكام الغنائم والمعاهدات وتضع خطوطا أصيلة في تنظيم تلك الروابط وهذه الأحكام في مثل هذه النصوص الواضحة المحددة :
«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ .. قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا : سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ».
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ..
« قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا : إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ، وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ. وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» ..
«وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ، وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ، وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» ..
« إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ. فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ، إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ. وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ. وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ...» ...
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ. الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» ..
« ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى : إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»
.
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ، وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ - إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ - وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ، أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..
هذا مجمل لخطوط السورة الرئيسية .. فإذا كانت السورة بجملتها إنما نزلت في غزوة بدر ، وفي التعقيب عليها ، فإننا ندرك من هذا طرفا من منهج القرآن في تربية الجماعة المسلمة ، وإعدادها لقيادة البشرية وجانبا من نظرة هذا الدين إلى حقيقة ما يجري في الأرض وفي حياة البشر مما يقوم منه تصور صحيح لهذه الحقيقة : لقد كانت هذه الغزوة هي أول وقعة كبيرة لقي فيها المسلمون أعداءهم من المشركين فهزموهم تلك الهزيمة الكبيرة .. ولكن المسلمين لم يكونوا قد خرجوا لهذه الغاية .. لقد كانوا إنما خرجوا ليأخذوا الطريق على قافلة قريش الذين أخرجوا المهاجرين من ديارهم وأموالهم! فأراد اللّه للعصبة المسلمة غير ما أرادت لنفسها من الغنيمة .. أراد لها أن تنفلت منها القافلة وأن تلقى عدوها من عتاة قريش الذين جمدوا الدعوة في مكة ومكروا مكرهم لقتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد ما بلغوا بأصحابه الذين تابعوه على الهدى غاية التعذيب والتنكيل والأذى ..
لقد أراد اللّه سبحانه أن تكون هذه الوقعة فرقانا بين الحق والباطل وفرقانا في خط سير التاريخ الإسلامي.
ومن ثم فرقانا في خط سير التاريخ الإنساني .. وأراد أن يظهر فيها الآماد البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير لهم. وتدبير رب البشر لهم ولو كرهوه في أول الأمر. كما أراد أن تتعلم العصبة المؤمنة عوامل النصر وعوامل الهزيمة وتتلقاها مباشرة من يد ربّها ووليها ، وهي في ميدان المعركة وأمام مشاهدها.
وتضمنت السورة التوجيهات الموحية إلى هذه المعاني الكبيرة وإلى هذه الحقائق الضخمة الخطيرة.
كما تضمنت الكثير من دستور السلم والحرب ، والغنائم والأسرى ، والمعاهدات والمواثيق ، وعوامل النصر وعوامل الهزيمة. كلها مصوغة في أسلوب التوجيه المربي ، الذي ينشئ التصور الاعتقادي ، ويجعله هو المحرك الأول والأكبر في النشاط الإنساني .. وهذه هي سمة المنهج القرآني في عرض الأحداث وتوجيهها.
ثم إنها تضمنت مشاهد من الموقعة ، ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة وفي ثناياها وبعدها .. مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة وصورها وسماتها كأن قارئ القرآن يراها فيتجاوب معها تجاوبا عميقا.
واستطرد السياق أحيانا إلى صور من حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وحياة أصحابه في مكة ، وهم قلة مستضعفون في الأرض ، يخافون أن يتخطفهم الناس. ذلك ليذكروا فضل اللّه عليهم في ساعة النصر ، ويعلموا أنهم إنما سينصرون بنصر اللّه ، وبهذا الدين الذي آثروه على المال والحياة. وإلى صور من حياة المشركين قبل هجرة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وبعدها. وإلى أمثلة من مصائر الكافرين من قبل كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ، لتقرير سنة اللّه التي لا تتخلف في الانتصار لأوليائه والتدمير على أعدائه.
هذه موضوعات السورة وملامحها - وهي وحدة واحدة - وإن كنا سنجتزئ في هذا الجزء بشطر منها.
ثم تجيء بقيتها في الجزء العاشر بإذن اللّه تعالى ..
فنكتفي بهذا القدر في التعريف المجمل بها وننتقل إلى مواجهة النصوص القرآنية في سياقها ..