سورة الحشر

مقدمة السورة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدمة السورة

نزلت هذه السورة في حادث بني النضير - حي من أحياء اليهود - في السنة الرابعة من الهجرة. تصف كيف وقع؟ ولما ذا وقع؟ وما كان في أعقابه من تنظيمات في الجماعة الإسلامية .. ترويها بطريقة القرآن الخاصة ، وتعقب على الأحداث والتنظيمات بطريقة القرآن كذلك في تربية تلك الجماعة تربية حية بالأحداث والتوجيهات والتعقيبات.

وقبل أن نستعرض النصوص القرآنية في السورة ، نعرض شيئا مما ذكرته الروايات عن ذلك الحادث الذي نزلت السورة بشأنه لنرى ميزة العرض القرآني ، وبعد آماده وراء الأحداث التي تتنزل بشأنها النصوص ، فتفي بمقتضيات الأحداث ، وتمتد وراءها وحولها في مجالات أوسع وأشمل من مقتضيات تلك الأحداث المحدودة

بالزمان والمكان.

كانت وقعة بني النضير في أوائل السنة الرابعة من الهجرة بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب. ومما يذكر عنها أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ذهب مع عشرة من كبار أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي - رضي اللّه عنهم - إلى محلة بني النضير ، يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين بحكم ما كان بينه وبينهم من عهد في أول مقدمه على المدينة. فاستقبله يهود بني النضير بالبشر والترحاب ووعدوا بأداء ما عليهم ، بينما كانوا يدبرون أمرا لا غتيال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ومن معه. وكان - صلى اللّه عليه وسلم - جالسا إلى جدار من بيوتهم. فقال بعضهم لبعض : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه. فمن رجل منكم يعلو هذا البيت ، فيلقي عليه صخرة ، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب. فقال : أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال. فألهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ما يبيت اليهود من غدر.

فقام كأنما ليقضي أمرا. فلما غاب استبطأه من معه ، فخرجوا من المحلة يسألون عنه ، فعلموا أنه دخل المدينة.

وأمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالتهيؤ لحرب بني النضير لظهور الخيانة منهم ، ونقض عهد الأمان الذي بينه وبينهم. وكان قد سبق هذا إقذاع كعب بن الأشرف - من بني النضير - في هجاء رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وتأليبه الأعداء عليه. وما قيل من أن كعبا ورهطا من بني النضير اتصلوا بكفار قريش اتصال تآمر وتحالف وكيد ضد النبي - صلى اللّه عليه وسلم - مع قيام ذلك العهد بينهم وبينه. مما جعل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يأذن لمحمد بن مسلمة في قتل كعب بن الأشرف. فقتله.

فلما كان التبييت للغدر برسول اللّه في محلة بني النضير لم يبق مفر من نبذ عهدهم إليهم. وفق القاعدة الإسلامية : «وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ» .. فتجهز رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وحاصر محلة بني النضير ، وأمهلهم ثلاثة أيام - وقيل عشرة - ليفارقوا جواره ويجلوا عن المحلة على أن يأخذوا أموالهم ، ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم. ولكن المنافقين في المدينة - وعلى رأسهم عبد اللّه بن أبي بن سلول رأس النفاق - أرسلوا إليهم يحرضونهم على الرفض والمقاومة ، وقالوا لهم : أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم. إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم.

وفي هذا يقول اللّه تعالى : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ : لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً ، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ، وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ، وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ. لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ...».

فتحصن اليهود في الحصون فأمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بقطع نخيلهم والتحريق فيها. فنادوه :

أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه : فما بال قطع النخيل وتحريقها؟ وفي الرد عليهم نزل قوله تعالى : «ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ» ..

ولما بلغ الحصار ستا وعشرين ليلة ، يئس اليهود من صدق وعد المنافقين لهم ، وقذف اللّه في قلوبهم الرعب ، فسألوا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يجليهم ويكف عن دمائهم ، كما سبق جلاء بني قينقاع (و قد ذكرنا سببه وظروفه في تفسير سورة الأحزاب في الجزء الحادي والعشرين ) على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم

إلا السلاح. فأجابهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل. فكان الرجل منهم يهدم بيته عن خشبة بابه فيحمله على ظهر بعيره أو يخربه حتى لا يقع في أيدي المسلمين وكان المسلمون قد هدموا وخربوا بعض الجدران التي اتخذت حصونا في أيام الحصار.

وفي هذا يقول اللّه في هذه السورة : «هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ ، فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم ْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ»

..

وكان منهم من سار إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام. وكان من أشرافهم ممن سار إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وحي بن أخطب ، ممن ورد ذكرهم بعد ذلك في تأليب المشركين على المسلمين في غزوة الأحزاب ووقعة بني قريظة (في سورة الأحزاب) وكان لبعضهم كذلك ذكر في فتح خيبر (في سورة الفتح).

وكانت أموال بني النضير فيئا خالصا للّه وللرسول لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا جمال. فقسمها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على المهاجرين خاصة دون الأنصار عدا رجلين من الأنصار فقيرين هما سهل بن حنيف ، وأبو دجانة سماك بن خرشة. وذلك أن المهاجرين لم يكن لهم مال بعد الذي تركوه في مكة وتجردوا منه كله لعقيدتهم. وكان الأنصار قد أنزلوهم دورهم وشاركوهم مالهم في أريحية عالية ، وأخوة صادقة ، وإيثار عجيب. فلما وأتت هذه الفرصة سارع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لإقامة الأوضاع الطبيعية في المجتمع الإسلامي ، كي يكون للفقراء مال خاص ، وكي لا يكون المال متداولا في الأغنياء وحدهم. ولم يعط من الأنصار إلا الفقيرين اللذين يستحقان لفقرهما ..

وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم - والراجح أنهم من المنافقين - فقال تعالى : «وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..

وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - للأنصار : «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة. وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ، ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة» فقالت الأنصار : بل نقسم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها.

وفي هذا نزل قوله تعالى : «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً ، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».

فهذا هو الحادث الذي نزلت فيه هذه السورة ، وتعلقت به نصوصها ، بما في ذلك خاتمة السورة التي يتوجه فيها الخطاب للذين آمنوا ممن شهدوا هذا الحادث وممن يعرفونه بعد ذلك. على طريقة القرآن في تربية النفوس بالأحداث وبالتعقيب عليها ، وربطها بالحقائق الكلية الكبيرة .. ثم الإيقاع الأخير في السورة بذكر صفات اللّه الذي يدعو الذين آمنوا ويخاطبهم بهذا القرآن. وهي صفات ذات فاعلية وأثر في هذا الكون وعلى أساس

تصور حقيقتها يقوم الإيمان الواعي المدرك البصير.

وتبدأ السورة وتختم بتسبيح اللّه الذي له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم : فيتناسق البدء والختام ، مع موضوع السورة ، ومع دعوة المؤمنين للتقوى والخشوع والتفكر في تدبير اللّه الحكيم.

والآن نسير مع النصوص القرآنية لنرى كيف تصور الأحداث ، وكيف تربي النفوس بهذه الأحداث ..