سورة الإسراء

مقدمة السورة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدمة السورة

هذه السورة - سورة الإسراء - مكية ، وهي تبدأ بتسبيح اللّه وتنتهي بحمده وتضم موضوعات شتى معظمها عن العقيدة وبعضها عن قواعد السلوك الفردي والجماعي وآدابه القائمة على العقيدة إلى شيء من القصص عن بني إسرائيل يتعلق بالمسجد الأقصى الذي كان إليه الإسراء. وطرف من قصة آدم وإبليس وتكريم اللّه للإنسان.

ولكن العنصر البارز في كيان السورة ومحور موضوعاتها الأصيل هو شخص الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وموقف القوم منه في مكة. وهو القرآن الذي جاء به ، وطبيعة هذا القرآن ، وما يهدي إليه ، واستقبال القوم له.

واستطراد بهذه المناسبة إلى طبيعة الرسالة والرسل ، وإلى امتياز الرسالة المحمدية بطابع غير طابع الخوارق الحسية وما يتبعها من هلاك المكذبين بها. وإلى تقرير التبعة الفردية في الهدى والضلال الاعتقادي ، والتبعة الجماعية في السلوك العملي في محيط المجتمع .. كل ذلك بعد أن يعذر اللّه - سبحانه - إلى الناس ، فيرسل إليهم الرسل بالتبشير والتحذير والبيان والتفصيل «وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا».

ويتكرر في سياق السورة تنزيه اللّه وتسبيحه وحمده وشكر آلائه. ففي مطلعها : «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ...» وفي أمر بني إسرائيل بتوحيد اللّه يذكرهم بأنهم من ذرية المؤمنين مع نوح «إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً» .. وعند ذكر دعاوى المشركين عن الآلهة يعقب بقوله : «سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً ، تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» .. وفي حكاية قول بعض أهل الكتاب حين يتلى عليهم القرآن : «وَيَقُولُونَ : سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا» .. وتختم السورة بالآية «وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ

شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً»

.

في تلك الموضوعات المنوعة حول ذلك المحور الواحد الذي بيّنا ، يمضي سياق السورة في أشواط متتابعة.

يبدأ الشوط الأول بالإشارة إلى الإسراء : «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ» مع الكشف عن حكمة الإسراء «لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا» .. وبمناسبة المسجد الأقصى يذكر كتاب موسى وما قضى فيه لبني إسرائيل ، من نكبة وهلاك وتشريد مرتين ، بسبب طغيانهم وإفسادهم مع إنذارهم بثالثة ورابعة «وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا» .. ثم يقرر أن الكتاب الأخير - القرآن - يهدي للتي هي أقوم ، بينما الإنسان عجول مندفع لا يملك زمام انفعالاته. ويقرر قاعدة التبعة الفردية في الهدى والضلال ، وقاعدة التبعة الجماعية في التصرفات والسلوك.

ويبدأ الشوط الثاني بقاعدة التوحيد ، ليقيم عليها البناء الاجتماعي كله وآداب العمل والسلوك فيه ، ويشدها إلى هذا المحور الذي لا يقوم بناء الحياة إلا مستندا إليه.

ويتحدث في الشوط الثالث عن أوهام الوثنية الجاهلية حول نسبة البنات والشركاء إلى اللّه ، وعن البعث واستبعادهم لوقوعه ، وعن استقبالهم للقرآن وتقولاتهم على الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ويأمر المؤمنين أن يقولوا قولا آخر ، ويتكلموا بالتي هي أحسن.

وفي الشوط الرابع يبين لماذا لم يرسل اللّه محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - بالخوارق فقد كذب بها الأولون ، فحق عليهم الهلاك اتباعا لسنة اللّه كما يتناول موقف المشركين من إنذار اللّه لهم في رؤيا الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وتكذيبهم وطغيانهم. ويجيء في هذا السياق طرف من قصة إبليس ، وإعلانه أنه سيكون حربا على ذرية آدم. يجيء هذا الطرف من القصة كأنه كشف لعوامل الضلال الذي يبدو من المشركين. ويعقب عليه بتخويف البشر من عذاب اللّه ، وتذكيرهم بنعمة اللّه عليهم في تكريم الإنسان ، وما ينتظر الطائعين والعصاة يوم ندعو كل أناس بإمامهم : «فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا. وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا».

ويستعرض الشوط الأخير كيد المشركين للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ومحاولة فتنته عن بعض ما أنزل إليه ومحاولة إخراجه من مكة. ولو أخرجوه قسرا - ولم يخرج هو مهاجرا بأمر اللّه - لحل بهم الهلاك الذي حل بالقرى من قبلهم حين أخرجت رسلها أو قتلتهم. ويأمر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يمضي في طريقه يقرأ قرآنه ويصلي صلاته ، ويدعو اللّه أن يحسن مدخله ومخرجه ويعلن مجيء الحق وزهوق الباطل ، ويعقب بأن هذا القرآن الذي أرادوا فتنته عن بعضه فيه شفاء وهدى للمؤمنين ، بينما الإنسان قليل العلم «وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا».

ويستمر في الحديث عن القرآن وإعجازه. بينما هم يطلبون خوارق مادية ، ويطلبون نزول الملائكة ، ويقترحون أن يكون للرسول بيت من زخرف أو جنة من نخيل وعنب ، يفجر الأنهار خلالها تفجيرا! أو أن يفجر لهم من الأرض ينبوعا. أو أن يرقى هو في السماء ثم يأتيهم بكتاب مادي معه يقرأونه ... إلى آخر هذه المقترحات التي يمليها العنت والمكابرة ، لا طلب الهدى والاقتناع. ويرد على هذا كله بأنه خارج عن وظيفة الرسول وطبيعة الرسالة ، ويكل الأمر إلى اللّه. ويتهكم على أولئك الذين يقترحون هذه الاقتراحات كلها بأنهم لو كانوا يملكون خزائن رحمة اللّه - على سعتها وعدم نفادها - لأمسكوا خوفا من الإنفاق! وقد كان حسبهم أن يستشعروا أن الكون وما فيه يسبح للّه ، وأن الآيات الخارقة قد جاء بها موسى من قبل فلم تؤد إلى

إيمان المتعنتين الذين استفزوه من الأرض ، فأخذهم اللّه بالعذاب والنكال.

وتنتهي السورة بالحديث عن القرآن والحق الأصيل فيه. القرآن الذي نزل مفرقا ليقرأه الرسول على القوم زمنا طويلا بمناسباته ومقتضياته ، وليتأثروا به ويستجيبوا له استجابة حية واقعية عملية. والذي يتلقاه الذين أوتوا العلم من قبله بالخشوع والتأثر إلى حد البكاء والسجود. ويختم السورة بحمد اللّه الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل. كما بدأها بتسبيحه وتنزيهه.

وقصة الإسراء - ومعها قصة المعراج - إذ كانتا في ليلة واحدة - الإسراء من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس. والمعراج من بيت المقدس إلى السماوات العلى وسدرة المنتهى ، وذلك العالم الغيبي المجهول لنا .. هذه القصة جاءت فيها روايات شتى وثار حولها جدل كثير. ولا يزال إلى اليوم يثور.

وقد اختلفت في المكان الذي أسري منه ، فقيل هو المسجد الحرام بعينه - وهو الظاهر - وروي عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - «بينا أنا في المسجد في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل عليه السلام بالبراق». وقيل : أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب. والمراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به. وعن ابن عباس : الحرم كله مسجد.

وروي أنه كان نائما في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته ، وقص القصة على أم هانىء وقال : «مثل لي النبيون فصليت بهم» ثم قام ليخرج إلى المسجد ، فتشبثت أم هانىء بثوبه ، فقال : «ما لك؟» قالت : أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم. قال : «وإن كذبوني». فخرج فجلس إليه أبو جهل ، فأخبره رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بحديث الإسراء. فقال أبو جهل : يا معشر بني كعب ابن لؤي هلم. فحدثهم ، فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا وارتد ناس ممن كان آمن به وسعى رجال إلى أبي بكر - رضي اللّه عنه - فقال : أو قال ذلك؟ قالوا نعم. قال : فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا : فتصدقه في أن يأتي في الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؟ قال :

نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك. أصدقه بخبر السماء! فسمي الصدّيق. وكان منهم من سافر إلى بيت المقدس فطلبوا إليه وصف المسجد ، فجلى له ، فطفق ينظر إليه وينعته لهم ، فقالوا : أما النعت فقد أصاب. فقالوا : أخبرنا عن عيرنا. فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال : تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق.

فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية - لمراقبة مقدم العير - فقال قائل منهم : هذه واللّه الشمس قد شرقت.

فقال آخر : وهذه واللّه العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق ، كما قال محمد .. ثم لم يؤمنوا! .. وفي الليلة ذاتها كان العروج به إلى السماء من بيت المقدس.

واختلف في أن الإسراء كان في اليقظة أم في المنام. فعن عائشة - رضي اللّه عنها - أنها قالت : واللّه ما فقد جسد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولكن عرج بروحه. وعن الحسن كان في المنام رؤيا رآها. وفي أخبار أخرى أنه كان بروحه وجسمه ، وأن فراشه - عليه الصلاة والسلام - لم يبرد حتى عاد إليه.

والراجح من مجموع الروايات أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ترك فراشه في بيت أم هانىء إلى المسجد فلما كان في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أسري به وعرج. ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد.

على أننا لا نرى محلا لذلك الجدل الطويل الذي ثار قديما والذي يثور حديثا حول طبيعة هذه الواقعة المؤكدة في حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والمسافة بين الإسراء والمعراج بالروح أو بالجسم ، وبين أن تكون

رؤيا في المنام أو رؤية في اليقظة .. المسافة بين هذه الحالات كلها ليست بعيدة ولا تغير من طبيعة هذه الواقعة شيئا وكونها كشفا وتجلية للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - عن أمكنة بعيدة وعوالم بعيدة في لحظة خاطفة قصيرة ..

والذين يدركون شيئا من طبيعة القدرة الإلهية ومن طبيعة النبوة لا يستغربون في الواقعة شيئا. فأمام القدرة الإلهية تتساوى جميع الأعمال التي تبدو في نظر الإنسان وبالقياس إلى قدرته وإلى تصوره متفاوتة السهولة والصعوبة ، حسب ما اعتاده وما رآه. والمعتاد المرئي في عالم البشر ليس هو الحكم في تقدير الأمور بالقياس إلى قدرة اللّه.

أما طبيعة النبوة فهي اتصال بالملأ الأعلى - على غير قياس أو عادة لبقية البشر - وهذه التجلية لمكان بعيد ، أو عالم بعيد والوصول إليه بوسيلة معلومة أو مجهولة ليست أغرب من الاتصال بالملأ الأعلى والتلقي عنه. وقد صدق أبوبكر - رضي اللّه عنه - وهو يرد المسألة المستغربة المستهولة عند القوم إلى بساطتها وطبيعتها فيقول : إني لأصدقه بأبعد من ذلك. أصدقه بخبر السماء! ومما يلاحظ - بمناسبة هذه الواقعة وتبين صدقها للقوم بالدليل المادي الذي طلبوه يومئذ في قصة العير وصفتها - أن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لم يسمع لتخوف أم هانى ء - رضي اللّه عنها - من تكذيب القوم له بسبب غرابة الواقعة. فإن ثقة الرسول بالحق الذي جاء به ، والحق الذي وقع له ، جعلته يصارح القوم بما رأى كائنا ما كان رأيهم فيه. وقد ارتد بعضهم فعلا ، واتخذها بعضهم مادة للسخرية والتشكيك. ولكن هذا كله لم يكن ليقعد الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - عن الجهر بالحق الذي آمن به .. وفي هذا مثل لأصحاب الدعوة أن يجهروا بالحق لا يخشون وقعه في نفوس الناس ، ولا يتملقون به القوم ، ولا يتحسسون مواضع الرضى والاستحسان ، إذا تعارضت مع كلمة الحق تقال.

كذلك يلاحظ أن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لم يتخذ من الواقعة معجزة لتصديق رسالته ، مع إلحاح القوم في طلب الخوارق - وقد قامت البينة عندهم على صدق الإسراء على الأقل - ذلك أن هذه الدعوة لا تعتمد على الخوارق ، إنما تعتمد على طبيعة الدعوة ومنهاجها المستمد من الفطرة القويمة ، المتفقة مع المدارك بعد تصحيحها وتقويمها. فلم يكن جهر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بالواقعة ناشئا عن اعتماده عليها في شيء من رسالته. إنما كان جهرا بالحقيقة المستيقنة له لمجرد أنها حقيقة : والآن نأخذ في الدرس الأول على وجه التفصيل